بعد جنازة أمي كنت بفضّي مخزن الأكل

لمحة نيوز

الصباحات، وأنا أعد القهوة، أنظر إلى الشريط الأزرق المتآكل حول حافتها، وأتذكر نفسي في الثانية عشرة من عمري.
أتذكر كيف ضربت أمي يدي.
ثم أعدت لي الكاكاو.
ثم جلست بجواري ووضعت يدها برفق على شعري.
في ذلك الوقت، لم أفهم لماذا شعرت أن اعتذارها كان أكبر بكثير من الموقف نفسه.
الآن فهمت.
أمي لم تكن مثالية.
لقد ارتكبت خطأً فادحًا.
عندما اكتشفت ما فعله حمدي، اختارت الصمت.
اختارت الاستقرار على حساب حقي.
لكنها أمضت أكثر من ثلاثين عامًا تحاول تصحيح ذلك القرار بكل الأدوات التي كانت تملكها.
وبدأنا أنا ومحمود نتحدث أكثر.
وبعد أشهر من وفاة أمي، جاء محمود من الإسكندرية إلى القاهرة دون سبب محدد.
جلس إلى مائدة مطبخي وظل ينظر إلى علبة الدقيق.
وأخيرًا قال
كان المفروض أعمل أكتر لما كنا صغيرين.
نظرت إليه.
إنت وقتها كان عندك واحد وعشرين سنة.
قال
برضه.
نظرت إليه.
برضه، اتفقنا.
لكن حتى هذا لم يكن الحقيقة كاملة.
بعد ستة أشهر من وفاة أمي، اتصل بي محمود مساء أحد أيام الثلاثاء.
كان نادرًا ما يتصل دون مناسبة أو مشكلة.
قال
لازم أقول لك كل حاجة.
ثم اعترف بأن حمدي تحدث معه عن التعويض قبل أن يتم الاتفاق عليه أصلًا.
كان محمود وقتها في الحادية والعشرين.
أخبره حمدي أن قيمة التعويض ستكون أقل بكثير مما يتوقعون بسبب بعض التعقيدات القانونية.
واستخدم كلمات مثل إجراءات مالية وتسوية الحسابات.
ثم طلب من محمود ألا يخبر أمي أو يخبرني بأي شيء، لأن ذلك لن يؤدي إلا إلى زيادة القلق والمشاكل.
صدقه محمود.
كان حمدي هو الرجل الأكبر في البيت.
وكان محمود بالكاد قد أصبح شابًا.
وعندما بلغت الثامنة عشرة وأخبرني حمدي أن المال اختفى، شعر محمود فورًا أن هناك شيئًا غير طبيعي.
لكن الاعتراف بشكه كان يعني أيضًا الاعتراف بأنه أخفى عن أمي وعنّي الحديث
الذي دار بينه وبين حمدي من قبل.
شعر بالخجل.
لذلك صمت.
وبعد فترة، انتقل إلى الإسكندرية.
وكان البعد يجعل تجاهل كل شيء أسهل.
قال لي
كنت بفكر في الموضوع كل سنة.
سألته
في عيد ميلادي؟
في عيد ميلادك. وفي رمضان. وفي كل مناسبة.
ثم أضاف
كنت كل مرة أقول لنفسي إنك كويسة وإنك عملتِ لنفسك حياة كويسة.
قلت
أنا فعلًا عملت لنفسي حياة كويسة.
قال
عارف.
ثم سكت قليلًا.
بس ده ما يخليش اللي عملته أنا صح.
ثم قال، من دون أعذار
أنا آسف يا سلمى.
تحدثنا لمدة ساعة.
عن أمي.
عن حمدي.
عن أنفسنا.
وعن نوع الأسرة التي كناها.
كنا نحب بعضنا.
لكننا كنا أيضًا نخفي أسوأ الأشياء.
بدلًا من أن نتحدث عن الأمور المؤلمة، تعلمنا أن نلتف حولها.
لم يعلمنا أحد طريقة أخرى.
والمشكلة أن الصمت لا يختفي لمجرد أن جيلًا كاملًا يرفض الحديث عنه.
إنه ينتقل.
ويتحول إلى عادة.
وتجنب.
ومسافة.
وأسرار.
وفي النهاية، تبدأ هذه الأشياء في الظهور وكأنها جزء من شخصية الإنسان، بينما هي في الحقيقة تاريخ ورثه عن عائلته.
أمي، بطريقتها غير المثالية، كسرت هذا النمط في النهاية.
كتبت كل شيء.
وضعت الحقيقة داخل أظرف.
وسلمتها إلى مدير البنك.
وتواصلت مع محامٍ.
وبنت خطة تجعل الحقيقة تصل إليّ حتى لو لم تكن موجودة لتقولها بنفسها.
كان ذلك متأخرًا لعقود.
لكنه كان شيئًا.
قررت أن أفعل شيئًا مختلفًا مع ابنتي.
كانت في السادسة والعشرين من عمرها وتعيش في القاهرة.
كانت تتصل بي كل يوم أحد.
أخبرتها بالقصة كاملة.
وبعد أن انتهيت، سألتني سؤالًا لم أكن مستعدة له.
إنتِ سامحتي جدتي؟
فكرت قليلًا.
ثم قلت
أعتقد إني فهمتها أكتر مما سامحتها.
انتظرت ابنتي.
فأضفت
يمكن الفهم يكون بداية التسامح. عشان كده أعتقد إني لسه في البداية.
ثم سألت
إيه أكتر حاجة كانت جدتي خايفة منها؟
نظرت إلى علبة الدقيق.

وقلت
كانت خايفة إني أصدق إنها اختارت حمدي عليّ.
سألتني
وهي فعلًا عملت كده؟
اضطررت إلى أن أجيبها بصدق.
في اللحظة دي، آه.
صمتت ابنتي.
ثم قلت
لكن كل اللي عملته بعد كده كان محاولة منها إنها تختارني.
وهذه هي المأساة الحقيقية.
أمي كانت تحبني.
وأمي خذلتني.
والحقيقتان لا تتعارضان.
لسنوات، كنت أعتقد أنه يجب أن تكون إحداهما غير صحيحة.
أما الآن، فأعرف أنهما يمكن أن تعيشا داخل الشخص نفسه.
وفي العائلة نفسها.
وحتى داخل علبة دقيق واحدة.
في النهاية، بدأت أعد بسكويت أمي من جديد.
وجدت وصفتها القديمة بين أغراض المطبخ التي أخذتها من منزلها.
كوبان من الدقيق.
بيكنج بودر.
زبدة باردة مقطعة إلى قطع صغيرة.
مكونات بسيطة.
لم أعد تلك الوصفة منذ كنت صغيرة، لأنني بطريقة ما ربطتها بذلك الصباح الذي ضربت فيه أمي يدي عندما حاولت الوصول إلى علبة الدقيق.
لكن في أحد أيام الأحد، قررت أن أجرب.
لم أستخدم علبة أمي.
تلك العلبة تظل فارغة.
اشتريت علبة جديدة.
جديدة تمامًا.
لا أسرار فيها.
ولا تاريخ.
اتبعت وصفة أمي المكتوبة بخط يدها.
وعندما خرج البسكويت من الفرن، انتشرت رائحته في المطبخ تمامًا كما كنت أتذكر.
دافئة.
مليئة بالزبدة.
ومألوفة.
وقفت في مطبخي أتناول واحدة وهي لا تزال ساخنة.
وفجأة رأيت أمي أمامي من جديد.
تقف في مطبخها.
تحمي علبة الدقيق.
ثم تعد لي الكاكاو.
وتمرر يدها على شعري.
وتحمل سرًا لم تكن قوية بما يكفي لتخبرني به.
أصبحت علبة الدقيق مكانًا يجتمع فيه وجهان مختلفان لأمي.
المرأة التي خذلتني.
والمرأة التي أمضت ثلاثين عامًا تحاول إصلاح خذلانها.
استثمرت جزءًا من أموال التسوية.
واستخدمت جزءًا آخر في إصلاح سقف منزلي.
وأخذت ابنتي في رحلة إلى الساحل الشمالي.
كما تبرعت بمبلغ لصندوق منح دراسية في المدرسة الثانوية التي درست
فيها، وطلبت أن يكون التبرع باسم أمي.
لم تكن أشياء فاخرة.
بل شعرت بأنها أقرب إلى استعادة حق قديم.
استعادة بعض الاختيارات التي كان من المفترض أن تكون لي منذ عقود.
أرسل لي الأستاذ سامح عبد الرحمن، بعد فترة، بطاقة صغيرة.
كتب فيها فقط أن أمي قامت بعمل دقيق، وأنه سعيد لأن ما فعلته وصل إليّ في النهاية.
وضعت البطاقة داخل صندوق وصفات أمي.
ذلك هو المكان الذي أحتفظ فيه بالأشياء التي أريد أن أجدها مرة أخرى.
ولا تزال علبة الدقيق فوق رخامة مطبخي.
في بعض الصباحات، تجعلني أشعر بالحزن.
وفي صباحات أخرى، تمنحني شيئًا أقرب إلى السلام.
ليس لأن الماضي اختفى.
فهو لم يختفِ.
وليس لأن اختيارات أمي أصبحت مقبولة فجأة.
فهي لم تكن كذلك.
لكن فهمي لما حدث جعل الذكرى أقل قسوة.
أعرف الآن ما الذي كانت علبة الدقيق تخفيه حقًا.
لم تكن تخفي فقط 18940 جنيهًا.
كانت تخفي أحد عشر عامًا من عمر أمي، وهي تدخر خمسة جنيهات وعشرة جنيهات من الرجل الذي سرق مني تعويضي.
كانت تخفي عقودًا من الندم.
وأربعة عشر شهرًا من التخطيط.
ومستندات قانونية.
ورسائل كتبتها يد امرأة تقدمت بها السنون.
ومحاولة أم يائسة لترك الحقيقة خلفها، بعدما عجزت عن قولها بصوت مرتفع.
كانت أمي تحافظ على السر حتى تستطيع في النهاية أن تسلمه إليّ.
والآن، أنا التي أحافظ عليه.
ربما يأتي يوم تحصل فيه ابنتي على هذه العلبة.
لكنني أتمنى ألا تضطر يومًا إلى اكتشاف حقيقة تخصني مخبأة داخلها.
أريد أن أخبرها بالأشياء المهمة وأنا ما زلت على قيد الحياة.
أريد أن أتحدث أنا ومحمود عن كل الأشياء التي كانت عائلتنا تتجنب الحديث عنها.
أريد أن أكون جزءًا من جيل يتعلم أن يقول الأشياء الصعبة قبل أن تتحول إلى أسرار.
لا أنجح دائمًا.
لكنني أحاول.
كل يوم أحد، ما زلت أعد بسكويت أمي.
وأصبحت أفضل
في إعداده.
وربما يكون هذا هو الدرس الحقيقي في كل ما حدث.
الصدق يحتاج إلى تدريب.
والتسامح يحتاج إلى تدريب.
والعائلات تحتاج إلى تدريب.
كل شيء يحتاج إلى ممارسة.
أما الآن...
فهذا يكفيني.

تم نسخ الرابط