كان حصانٌ مُقعد يُعامل معاملة سيئة كل يوم، إلى أن ظهر صبي متواضع و...

لمحة نيوز

أن يلاحظه أحد وجمع بقايا الضمادة. كانت قطع القماش مغطاة بالوحل والحقد. شعر بغضب لم يعرفه من قبل.
لكنه تذكر الوعد الذي قطعه تحت ضوء القمر أن يداوي جراحهم ويصمدوا معا. دوى صوت مألوف من خلفه. ماذا تفعل هنا أيها الوغد سأل المشرف وهو يحمل فانوسا. لقد أخبرتك ألا تعود حتى ينتهي العمل. استدار ألف وواجهه ووجهه يحترق غضبا والدموع تترقرق في عينيه. مزقوا ضمادة الرعد. قال ليس من وظيفتي أن أصلح أخطاءهم. عبس المشرف. إذن ماذا تريدني أن أفعل
هذا الحصان عديم الفائدة. بصق مشيرا إلى الحظيرة. حدق أليف فيه. إنه جيد للعيش وللقتال ولإظهار أن الرحمة أقوى من السوط. صمت عمال المزرعة. نبح ترينودو نباحا واحدا كما لو كان يرافق الصبي. شتم المشرف واقترب ببطء. أنت شجاع أكثر من اللازم يا فتى. فكر جيدا لأن البيت الذي يطعمك قد يطردك. شعر أليف بقشعريرة لكنه لم يتراجع. أمسك بقطع القماش بيده اليمنى ولمس بيده اليسرى جرح الرعد المفتوح.
قال سأصلح هذا. وسيشفى. نظر إليه رئيس العمال بازدراء. دون أن ينبس ببنت شفة استدار وغادر. عاد عمال المزرعة إلى عملهم لكن الصمت لم يعد لامبالاة بل تحول إلى فرار. جمع ألف ما تبقى من الضمادة وبدلا من الاختباء جلس بجانب الحصان وبدأ بتنظيف الجرح بعناية. صنع مرهما صغيرا من دهن خنزير سرقه قبل أيام ممزوجا بأعشاب عطرية.
فرك المزيج على الجرح وهو يدندن أغنية كانت أمه تغنيها له في صغره. شخر ترينو وخفض رأسه كأنه يشكره على هذه اللفتة. شعر أليف بحنان عميق. كان يعلم أن هذه الأفعال الصغيرة إذا تكررت مرارا ستقوي ليس فقط جسد الحصان بل إرادته التي لا تقهر. عندما انتهى جمع أدواته البدائية وانسحب إلى الظل. في ذلك الصباح الباكر تنفس الصبي والحصان معا يتبادلان أنفاس الرعاية.
لقد ولى ألم وقسوة اليوم السابق لكن ذكرى القلوب الجبانة ظلت محفورة في أذهانهم. ومع بزوغ فجر جديد يغمر الحظيرة بألوان ذهبية عاد ألف إلى ترينو. كان ترينو نائما بسلام والضمادة نظيفة على جلده. ركع الفتى متذكرا ضحكات عمال المزرعة الساخرة ونظرات المشرف الباردة. شعر للحظة بالخوف لكنه سرعان ما تذكر القوة التي انبثقت من وعده الصامت.
بأصابعه الرقيقة رفع المنديل ورش الجرح بالماء العذب. ثم وضع بضع قطرات من مرهم منزلي الصنع وأعاد لف المنطقة المصابة. كانت كل حركة بمثابة لمسة حانية فعل إيمان. وعندما انتهى ربط عقدة صغيرة في نهاية الضمادة رمزا لرابطة لا يمكن لأحد أن يكسرها. همس للحيوان سنواصل القتال. رغم كل شيء فتح ترينو إحدى عينيه وحدق فيه. لم تكن تلك النظرة نظرة حيرة بل نظرة تواطؤ.
نهض أليف وجلس يربت على خاصرة الحصان يشعر بدفء جسده القوي الذي يشاركه مصيره. خلف الحظيرة كان الرجال يباشرون عملهم اليومي. أعلن صرير الخشب وصراخ المعدن عن وصول الشاحنة. مع ذلك كان أليف يعلم أنه طالما حافظ على يقظته الليلية فلن يستطيع أحد أن يسلبهم الأمل. بدأت ليلة الهروب بصمت ثقيل بدا وكأنه يتجمد في الهواء. استيقظ أليف قبل ظهور أول نجمة في السماء وقلبه يخفق بشدة.
كان أنفه يقطر عرقا من فرط الحماس وعيناه تحرقانه من قلة النوم وظهره يؤلمه من حمل أكياس الشوفان والقصب لأيام. لكن لا شيء من ذلك كان مهما. كانت تلك الليلة التي سينفذ فيها خطته الأكثر خطورة. في مخبئه بجوار الحظيرة كان الصبي يتدرب ذهنيا على كل خطوة. أولا فتح باب الحظيرة بحذر باستخدام الخطاف المعدني الذي وجده في الورشة. ثانيا ربط الحبل بالصاعقة دون إيقاظ الحراس.
ثالثا قد الحصان على طول الطريق الشائك والحجري نحو بوابة العربات القديمة. وأخيرا اعبر البوابة الرئيسية قبل الفجر. كان من السذاجة الاعتقاد بأن كل شيء سيسير على ما يرام لكن ألف كان قد فكر في كل تفصيل. لقد تدرب على كل حركة في ذهنه مئات المرات. وبيدين مرتعشتين فتح الباب الخشبي الصغير المؤدي إلى الحظيرة. جعله صوت الصرير يلهث. في الداخل كان ترينو نائما واقفا ضمادته مثبتة بإحكام وساقه شبه مشلولة.
عند سماعه الضجيج خفض رأسه وحرك أذنه. كان متيقظا. أضاء أليف الفانوس الصغير في لحظة وأخفاه خلف ظهره وهمس بهدوء حان الوقت يا صديقي. ثق بي. صهل الحصان بهدوء كأنه نفس واقترب. أخرج أليف الخطاف وبدأ يدخله
في القفل الصدئ. كل ثانية كانت مؤلمة كقروي ينتظر الموت. عندما شعر أخيرا بانزلاق المزلاج غمرته موجة من النصر والخوف.
دفع البوابة بحذر فسمع صريرا خافتا معلنا بدء تنفيذ خطته. خرج ترينو من الحظيرة وهو يعرج بخطوات متثاقلة بالكاد يلاحظ. توقف الحصان على الجانب الآخر من البوابة ناظرا إلى الوراء وكأنه متردد. ركع أليف وربت على رقبته وهمس في أذنه نوميريس أترايس تقدم للأمام. نعم. بدا أن الفحل قد فهم. عدل أليف حبل القيادة ليصبح على بعد سنتيمتر واحد تقريبا من جلده وسحبه برفق. تقدم ترينو للأمام وأثارت حوافره سحبا صغيرة من الغبار تتحرك ببطء.
كانت كل خطوة بمثابة نصر صامت ولكنها كانت أيضا دقات قلب معرض للخطر. ساروا على طول الطريق المؤدي إلى الحظيرة حيث شكلت بقايا القش والبرك فخاخا غادرة. انحنى أليف ليتجنب العوارض الخشبية المنخفضة بينما كان يقود الحصان بيد حازمة ولكن حنونة. فجأة فزعه صرير بعيد. لقد استيقظ ديك مبكرا جدا. شهق الصبي وطالب بالصمت كما لو أن إرادته قادرة على إيقاف الصياح.
سقط الطائر فغرق العالم في ظلام مدو تردد صداه في آذانهم. وصلوا إلى البوابة الخشبية القديمة المؤدية إلى الطريق الترابي. كانت الخطة بسيطة دفع الورقة اليسرى بقوة بينما يدخل ألف إلى الحقل بالحبل. لكن البوابة كانت عالقة بسبب سنوات من الرطوبة. شد ألف كتفيه ودفع بكل قوته فشعر بعظامه تتكسر. دفع ترينو خلفه بصدره. انفتحت البوابة بصوت طقطقة حاد وسقطا معا إلى الجانب الآخر بين الأعشاب والحجارة.
تلقى أليف ضربة على ركبته لكنه لم يتوقف. سرعان ما خيم الظلام عليهما. الآن جاء الجزء الأخطر عبور الحقل المفتوح والوصول إلى البوابة الرئيسية دون أن يراهما أحد. كانت السماء مغطاة بسحب منخفضة والقمر بالكاد ينير طريقهما. تقدما معا في صمت يجر الصبي ساقه المصابة ويرشده الحصان بحاسة شمه. سمع من بعيد صوتا حادا. كان عاملان يتحدثان قرب سقيفة الأدوات.
ضغط أليف نفسه على الحصان وأخذ نفسا عميقا وانتظر. خفت الهمس وعندما عاد الصمت تحركا مجددا. بدا كل متر وكأنه دهر. شعر أليف بحدة كل حجر تحت حوافره. كل شوكة مغروسة في جلد الحصان تسببت في شخير فضح أمرهما. ومع ذلك واصلا السير معا بأمل. عند وصولهما إلى حافة الأرض وجدا السياج المعدني السميك ذو القضبان الصدئة. كانت الخطة هي استخدام الكماشة التي سرقها أليف من الحداد لقطع قضيبين وإحداث فتحة.
أخرج الكماشة من داخل حقيبة ظهر مهترئة وبدأ بالقطع. مع كل احتكاك للمعدن بالمعدن كانت يداه ترتجفان ويتساقط العرق البارد على جبينه. وقف ترينو بجانبه وكأنه يحميه وعيناه تفيضان بالتعب والثقة. أخيرا وبعد دقائق طويلة تمكن من تحريك قضيب وتوسيع الفتحة بما يكفي لمرور رأس الحصان. لقد حانت لحظة الحقيقة. انزلق أليف عبر الفتحة وشعر بالبوابة تلامس ظهره لكنه لم يكترث.
ما إن خرج حتى سحب الحبل بقوة هائلة فوصل إلى الجانب الآخر رغم عرجه. لقد تحررا كلاهما. لامس الهواء النقي وجوههما كأنه انتصار. امتد أمامهما طريق ترابي متعرج يؤدي إلى أقرب قرية على بعد ساعات. لم يكن هناك ضوء اصطناعي فقط وهج الفجر الخافت. أخذ ألف نفسا عميقا والتفت لينظر إلى الحظيرة المظلمة خلفهما. هناك يرقد الرجال الذين كانوا سيقتلون صديقه لولا هروبهما.
شعر بالغضب والارتياح في آن واحد. همس قائلا هيا بنا علينا الوصول قبل شروق الشمس. وانطلقوا. دوت كل خطوة مدوية على طول الطريق الموحش كصرخة حرية. كانت كل خطوة من خطوات ألف صرخة أمل مكبوتة. كانوا يعلمون أن الفجر قد يفاجئهم وأن الخطر لا يزال يتربص بهم لكنهم أدركوا أيضا أنه من تلك اللحظة فصاعدا لا رجعة. شعر الفتى ويده مستقرة على ظهر الفرس أن قلبه توقف عن الخفقان خوفا وبدأ ينبض حبا.
وهكذا في ليلة الهروب تلك أبرموا عهدا أقوى من أي خوف عهد الحرية المشتركة الذي نسج بالتضحية والشجاعة والرابطة الصامتة بين كائنين تعلما الاهتمام ببعضهما. كان الليل قد انقشع بالفعل عندما وصل أليف وترينو إلى حافة المزرعة. كان الفجر لا يزال على بعد ساعات لكن ضوءا خافتا تسلل من فوق التلال. أمسك أليف بالحبل بيدين مرتعشتين وقاد الفحل على طول ممر ضيق بالكاد يرى أثره في الأرض.
مع كل خطوة يخطوها
ثاندر كانت سحابة من الغبار تتراكم في حلق الصبي وتؤلم عينيه. امتزج ألم جرحه بإرهاق هروبهم وخوف فطري يسيطر على صدره خوف من أن يكتشف أمره من فقدان صديقه من أن يكون وحيدا مرة أخرى. عبروا حقلا تغطيه الأشواك والعليق. كان ثاندر يعرج بصعوبة ويضم كفه المصاب إلى صدره مع كل حصاة يدوسها.
شجعه أليف بهمسات خافتة. قال وهو يربت على رقبته ليطمئنه لقد اقتربنا. تماسك يا ثاندر تماسك. رد الفحل بشخير عميق يشبه زئيرا مكتوما وعدا منه برغبته في مواصلة القتال. شعر أليف بموجة من الفخر والمودة مقتنعا بأن صديقه لن يخذله. من حولهم كان الحقل عبارة عن متاهة من صفوف الذرة وعباد الشمس الذابلة. رفعت الرياح السيقان الجافة مصدرة صوت حفيف بدا وكأنه أصوات بعيدة.
شد الصبي قبضته على الحبل مصغيا لأي صوت حفيف أغصان. في البعيد نعق غراب فقفز أليف. نظر إلى أعلى فلم ير سوى ظل داكن يمر. انقبض قلبه. لا بد أنها نذير شؤم. لكنه تذكر حينها الوعد الذي قطعه لثاندر بأن يتحملا معا. أخذ نفسا عميقا ومسح دمعة وتابع سيره. قاده الطريق إلى طريق ترابي أوسع حيث تمر عربات الصيادين من حين لآخر متجهة نحو النهر.
توقف أليف بجانب صخرة كبيرة يرتجف وهمس قائلا سأرتاح قليلا يا صديقي قلبي ينبض بسرعة. جلس مستندا بظهره إلى الصخرة وأسند وجهه على ركبتيه وأغمض عينيه. شعر بدوي مدو قريب منه مستمر. قبض يديه بقوة ليهدئ ارتعاشهما. كان يخشى أن يغلبه النعاس ويستيقظ في عالم آخر بلا حصان. أجبر نفسه على التنفس ببطء والتركيز على دفء أنفاسه القادمة من الطرف الآخر للحبل.
بعد برهة نهض وقدم لتروينو آخر ما تبقى من خبزه اليابس. أخذه الفحل بحرص يمضغه ببطء وكأنه يعلم أن هذه المكافأة الصغيرة هي جزاء شجاعته. جثا أليف بجانبه وقال علينا عبور هذا الجسر الخشبي. سيصدر صريرا لكن لا تخف. سأمسك بك. انحنى تروينو برأسه وخطا خطوة للأمام واثقا بالفتى. شعر أليف بقشعريرة تسري في جسده وهو يخطو على ألواح الجسر.
كانت كل لوحة خشبية قديمة تصدر صريرا وتتصدع تحت وطأة الحصان. تقدم الصبي بجانب رأس الحيوان حريصا على ألا يدوس على لوح متآكل. مع كل صرير كان قلبه يخفق بشدة لكنهما عبرا الجسر سالمين وكأن الخوف قد تبدد في قعقعة الجسر. على الجانب الآخر انحدر الطريق إلى واد مشجر. لم ير ألف من قبل هذا العدد الكبير من الأشجار مجتمعة. كانت الشجيرات كثيفة والظلام دامسا. كان التنفس هناك أشبه بالدخول في كيس من الظلال.
أخرج الفانوس المكسور وأضاءه. تذبذب شعاعه بالكاد أنار بضع خطوات. تقدم بحذر يتحسس الحبل ويشعر بنسمات الرعد الدافئة بجانبه. في كل مرة يتذبذب فيها ضوء الفانوس كان يتخيل رؤية أشكال في البعيد أغصان تشبه الأذرع وجذوع أشجار تشبه ظلال البشر. تلاعب عقله بالظلام فملأه بمخاطر وهمية. شد أصابعه حول الفانوس متمنيا أن ينتهي الوادي قريبا. أخيرا وبعد ما بدا وكأنه دهر وصل إلى فسحة حيث تسللت أشعة شمس الصباح من بين قمم الأشجار.
توقف أليف وشعر بوخز خفيف في جلده مع الضوء الجديد. خفض ترينو رأسه وصهل بهدوء وكأنه يحتفل بنهاية الظلام. أرخى الصبي الحبل ليمسح على ظهر الفحل. كانت الساق المصابة مرتخية لكن الحصان تحمل وزنه بثبات. شعر أليف بغصة في حلقه. فاضت مشاعر الراحة والحب لصديقه في فيض من الدموع المكبوتة. جلس على صخرة ظهره مستقيم ونظر إلى الوادي خلفه حيث لا يزال الظل متشبثا بالأعشاب.
ثم نظر إلى الطريق أمامه الذي اختفى بين التلال الخضراء وجدول ينساب بين الزهور البرية. كانت رائحة الهواء تفوح بالعشب الطازج والحرية. استعاد ألف قوته بصمت مستمدا قوته من الشمس التي جففت دموعه ودفأت وجهه. همس قائلا لقد وصلنا لكن ما زال أمامنا طريق طويل. أسند ترينو رأسه على كتف ألف وكأنه يؤكد الرابطة بينهما. مد ألف يده ومسح على خده. كانت لمسة رقيقة مليئة بالامتنان والأمل. لم يحول الحصان نظره.
عكست عيناه عزيمة على المواصلة رغم الألم. مع أنفاسه الأخيرة جمع أليف الحبل ونهض وتابع طريقه برفقة ترينو. كل خطوة على ذلك الدرب الترابي المليء بالخوف عززت رابطتهما محولة الخوف إلى شجاعة لأنهما تعلما أنه حتى لو كان الدرب وعرا والليل حالكا فإن الأمل والحب قادران على إرشاد خطوات من
يهتمون ببعضهم. تحركت الشمس ببطء فوق التلال لكن بالنسبة لأليف وترينو بدا اليوم لا نهاية له.
كانوا يسيرون لساعات يتجنبون الدروب المنسية ويعبرون حقولا من العشب الجاف وتلالا وادعة تمتد كوعد بالراحة التي لم تأت أبدا. كانت أشعة الشمس تسطع على ظهورهم واختلط العرق بالغبار على جلد الصبي. ازداد عرج ترينو وضوحا وهو يجر ساقه المصابة بجهد جلي. أصبح تنفسه ثقيلا وبطيئا. بدا أحيانا وكأنه سيتوقف. حاول ألف ألا ينظر إلى الجرح كثيرا.
كان يعلم أن ما سيجده سيصيبه بالذعر. كانت الضمادة متسخة وبدأت حافتها السفلية تتلطخ بالدماء مجددا. لم يعد المرهم الذي صنعه بنفسه ووضعه الليلة الماضية فعالا ولم يكن هناك ماء أو طعام سوى تصميم أعمى على عدم العودة. عندما وصلوا إلى منطقة مليئة بالصخور الكبيرة والشجيرات توقف أليف. كانوا في منخفض صغير محميا من الرياح. ربط الصبي حبل الرعد بغصن منخفض وتركه يستلقي.
هو الآخر انهار على الأرض الساخنة. كان فمه جافا ولسانه ملتصقا بسقف حلقه ومعدته خاوية منذ الليلة الماضية. كان جسده يتوق للراحة لكن عقله ظل متيقظا مدفوعا بالخوف من أن يعثر عليهما أحد وأن تضحية ترينو ستكون عبثا وأن الأمل لن يكون سوى وهم طفولي. وبينما كان ترينو يستلقي أطلق صهيلا قصيرا كما لو كان يتذمر في داخله. زحف أليف نحوه وأسند رأسه على رقبته.
همس قائلا أعلم أنا جائع أيضا. لكن اصمد قليلا. لا بد من وجود شيء ما في مكان ما. بقي على هذه الحال لعدة دقائق يستمع إلى دقات قلب الحصان بطيئة لكنها ثابتة كطبل يضبط إيقاع شجاعته. ثم نهض بصعوبة وبدأ يبحث في المنطقة المحيطة. لم يكن يتوقع معجزات فقط شيئا يمضغه حبة جوز بركة ماء أي شيء. سار بين الشجيرات وتفقد تحت الأحجار والجذور واقتلع عشبا ذا رائحة نفاذة كان يعلم أنه غير سام وملأ حفنة منه بأوراق كبيرة.
دسها في قميصه وعاد إلى ترينو الذي لم يحرك ساكنا. قال وهو يضع الأوراق قرب خطم الحصان ليست وليمة لكنها أفضل ما استطعت الحصول عليه. شم ترينو العشب وأكل قليلا يمضغ ببطء ودون حماس. ابتلع ألف طعامه بصعوبة. كان طعمها ترابيا لكنه لم يتذمر. احتجت معدته واشتدت الحرقة في حلقه لكنه كظم غيظه. لم يكن بوسعه التردد. استلقى بجانب الحصان وحدق في السماء.
بدأت الغيوم الكثيفة تغطي السماء الزرقاء. شعر بأول نسمة باردة في النهار وأدرك أن المساء سيحل قريبا. لم يكن بإمكانهم البقاء هناك طوال الليل سيكون ذلك خطيرا. لكن لم يكن بإمكانهم الاستمرار دون راحة أيضا. تكور في ظل الحيوان وأغمض عينيه للحظة. ثم كما لو أن ذكرى تحولت إلى أغنية بدأ يدندن. لحن اعتادت أمه أن تغنيه عندما كان يعاني من الحمى أو الخوف. ارتجف صوت ألف لكن كل نغمة نبعت من قلبه.
أدار ثاندر رأسه ونظر إليه. كانت الأغنية كجسر خفي يربط بينهما. أغمض الحصان عينيه. استمر الصبي بالغناء بصوت أخفض وأبطأ حتى غفا ورأسه على الأرض الدافئة. استيقظ فجأة. كانت السماء أكثر كآبة والهواء أكثر برودة. أيقظه صهيل ثاندر من نومه. جلس منتصبا ونظر حوله. لا شيء لا علامات خطر فقط حفيف الريح بين الشجيرات.
اقترب من الحصان وربت عليه. لا بأس إنها مجرد ريح. لكنهما كانا يعلمان أن الأمر أعمق من ذلك. كان جسد ترينو يرتجف. لقد أضعفه عناء الركوب والجرح. شعر أليف بفراغ عميق. لم يستطع أن يدع القصة تنتهي هكذا. ليس بعد كل هذا الوقت. انحنى بجانب الضمادة وفكها بحرص وفحص الجرح. كان مفتوحا وأكثر تورما وبدأت البثور بالظهور من جديد.
أحضرت لعابا لم أستطع انتظار المساعدة. كان علي أن أفعل شيئا. أخذت القميص الذي كان يرتديه ومزقته إلى شرائط وبقبضة من الطين الرطب وأوراق الشجر النظيفة صنعت ضمادة جديدة. سيضغط الطين على الجرح ويخفف التورم ولو لبضع ساعات. عملت بسرعة يداي ملطختان بالطين وعيناي جافتان. وقف ترينو ساكنا كما لو كان يستسلم لمحاولتي اليائسة. عندما انتهيت انهرت بجانب الحصان. لا تمت. لا قالها الآن بهدوء وعيناه مغمضتان.
وعدتني أنك ستصمد. لم يصدر الحصان أي صوت بل أمال رأسه حتى لامس جبين الصبي. تلك اللفتة البسيطة والعميقة في آن واحد حطمت قلب ألف. في النهاية لم يبك كطفل ضعيف بل كقلب مزقته الظلم. بكى على كل ما كتمه على أمه
الغائبة على الفقر على الوحدة على كل
تم نسخ الرابط