كان حصانٌ مُقعد يُعامل معاملة سيئة كل يوم، إلى أن ظهر صبي متواضع و...

لمحة نيوز

سخرية على كل ضربة. بكى لأنه ولأول مرة في حياته كان يقاتل من أجل شخص آخر وهذا الشخص قد يموت.
مسح وجهه بظهر ذراعه وجلس. كان عليهم المواصلة حتى لو حل الليل حتى لو طال الطريق حتى لو كان عليه أن يحمل روحه كصوت الرعد. هيا يا صديقي خطوة أخرى. ليس الأمر كما لو أن كونكر عالم بعيد. ثم وسط الخوف والجوع والإرهاق ولدت قوة صامتة قوة لم تنبع من الجسد بل من الرابطة بين صبي وحصان أنقذ كل منهما الآخر. وبهذه القوة استأنفوا رحلتهم مدركين أنه وراء الخوف لا يزال هناك أمل.
حل المساء بلون رمادي قاتم فغمر المكان سكون مقلق. واصل ألف وتروينو السير على درب ترابي تحيط بهما أشجار جافة منخفضة تصدر صريرا مع كل هبة ريح. أمسك الصبي بالحبل لكنه لم يعد يشده. تبع الحصان خطواته دون أن يحتاج إلى أي دفعات أو أوامر. سارا كأنهما متساويان كما لو كانا يتشاركان نفس التعب ونفس الإيمان ونفس الصمت. كانت كل خطوة بمثابة نصر. تروينو رغم عرجه لم يعد يتوقف كل بضعة أمتار.
تماسكت الضمادة المؤقتة المصنوعة من الطين والخرق البالية مع أن أليف كان يعلم أنها مجرد رقعة هشة على جرح يستغيث طلبا للمساعدة الحقيقية لكنه لم يسمح لنفسه بالتفكير في ذلك. ليس بعد. لقد تعلم أن يعيش اللحظة وكأن كل دقيقة هي الجزء الأخير من طريق مستحيل. في الأفق تصاعد عمود من الدخان بين الأشجار. توقف أليف وحدق فيه عابسا. قد يكون مدخنة من مزرعة ما أو نارا مشتعلة أو شيئا أسوأ.
تردد لثوان معدودة. أخبره حدسه أن يتجنبها وأن يعود أدراجه ويبحث عن طريق آخر. لكن ترينو لم يعد يحتمل أكثر من ذلك. كانوا بحاجة إلى الماء والمأوى ولو لبضع ساعات فقط. أخذ نفسا عميقا وقرر الاقتراب. ربما يستطيعون طلب المساعدة وربما يجدون من يرحمهم. ربما لكن القدر نادرا ما يرحم الأبرياء. لم يقطعوا مئة متر حتى شعرت أليف أن شيئا ما ليس على ما يرام. صوت خافت يكاد لا يسمع قطع إيقاع خطواتهم.
سمع صوت طقطقة ليس طقطقة أغصان جافة تحت قدمه بل طقطقة خشب تحت حذاء ثقيل. استدار بسرعة لكنه لم ير أحدا. أصغى باهتمام. سمع صوت الرعد أيضا. انتصبت أذناه وتصلب عنقه. أدرك كلاهما ما يعنيه ذلك. لم يكونا وحدهما. بدأ قلب أليف يخفق بشدة. نظر حوله باحثا عن مخرج لكن الطريق كان ضيقا والشجيرات كثيفة جدا بحيث لا يستطيع الحصان المرور من خلالها.
شد قبضته على الحبل بين أصابعه وتراجع خطوة إلى الوراء غريزيا وكأنه يحاول محو آثار أقدامه. ثم سمع صوتا مدويا كصوت الرعد في قلب الغابة ها هما. استدار ألف فرأى رجلين يخرجان من بين الشجيرات. كانا يرتديان قبعات منخفضة وقمصانا متسخة. كان أحدهما يحمل منجلا معلقا على خصره. عرف الآخر على الفور. كان أحد عمال المزرعة. ابتسامته الملتوية لم تدع مجالا للشك.
قال وهو يمشي نحوهم بخطى ثابتة كنت أعرف أنكم لم تبتعدوا كثيرا. المدير غاضب جدا. تقدم ألف خطوة إلى الأمام ووقف بين الرجال وثاندر. كان خائفا لكنه لم يكن ليتحرك. قال ببرود لن يعود. يا لك من وغد لن يستطيعوا أخذه مني الآن. أطلق عامل المزرعة ضحكة بدت أشبه بنباح. أنقذت قطعة لحم بساق مكسورة والآن تظن أنها ملكك لم يجب ألف.
لم تفارق عيناه عيني الرجل. خلفه كان ترينو يتنفس بصعوبة لكنه لم يتراجع. تنحى الرجل الآخر جانبا يجهز الحبل الذي كان يحمله. أعطني الحبل يا فتى. لا أريد أن أؤذيك حذره. الحصان سيعود معنا. لا كرر ألف دون أن يتحرك. لا يمكنك أخذه. خطا العامل الأول خطوة أخرى. إنه ملك للسيد. أنت لست من يقرر. ثم كما لو أن تلك الكلمات قد لامست وترا حساسا في أعماق الفتى انفجر ألف غضبا.
هو لا ينتمي لأحد لا لك ولا لرئيسك ولا للعالم. ليس أداة ولا عبئا ثقيلا إنه صديقي وقد اخترته حين لم يفعله أحد سواي. هز الغضب جسده وانهمرت الدموع على خديه لكنها لم تكن دموع حزن. كانت دموع شجاعة وتحد وكرامة. تبادل الرجال نظرات قلقة. كانوا يتوقعون الخوف والخضوع لا هذه الشجاعة الجارفة. تردد عامل المزرعة الذي يحمل المنجل للحظة وكانت تلك الثانية كافية.
استدار ألف وفك رباط حبل الرعد
وصاح اركض يا رعد! انتصب الحصان على رجليه الأماميتين وصهل كما لم يفعل منذ زمن طويل. ضربت حوافره الأرض بصوت مدو وانطلق مسرعا في الممر الضيق. حاول الرجال اللحاق به لكن ألف سد طريقهم دافعا أقربهم إليه بكل قوته. اختفى الحصان بين الأشجار. سقط ألف على الأرض وأمسك به عامل المزرعة بغضب. يا لك من طفل وغد! ستندم على هذا حقا الآن.
قال ألف من بين أسنانه أفضل أن يضربوني على أن يقتلوه. لم أعد خائفا. خفض الرجل الآخر نظره. للحظة تلاشت قسوة وجهه. ربما تذكر شيئا. ربما رأى في ذلك الصبي شيئا أيقظ شيئا كامنا بداخله. قال دون أن يرفع صوته أطلقه. ماذا لقد طلبت منك أن تطلقه. لقد رحل الحصان وفعل الصبي ما لم يجرؤ أي منا على فعله. شخر الرجل الأول بانزعاج لكنه أرخى قبضته.
وقف أليف ساكنا ينتظر الضربة لكنها لم تأت. نهض بصعوبة ونظر إلى الأفق. اختفى الرعد لكنه كان يعلم أنه سيجده أو أن الحصان سيكون بانتظاره في مكان لا تصل إليه الصيحات. خطوة ثم أخرى. كان جسده يؤلمه لكن روحه لم تكن كذلك. كانت روحه تتوهج بنور جديد لأنه صمد لأنه اختار لأنه أخيرا أصبح أكثر من مجرد فتى فقير لقد أصبح بطلا وما زال طريق الحرية لم ينته بعد.
كان غروب الشمس يتحول إلى لون أحمر قاس عندما جر أليف عائدا إلى المزرعة. لامست قدماه العاريتان الأرض الساخنة تاركة آثار أقدام مرتعشة في غبار الطريق. أمسكوه من ذراعيه كل ذراع على حدة كما لو كانوا يخشون أن يهرب مجددا. لكن أليف لم يبد أي مقاومة. كانت شفتاه جافتين ووجهه متسخا وجسده منهكا. لكن عينيه تلك العينين اللتين تعلمتا الرؤية متجاوزتين الخوف كانتا متقدتين.
عند وصولهم إلى الفناء المركزي بدا كل شيء أكثر ظلمة من ذي قبل. راقبهم العمال من ظلال الحظائر بعضهم بفضول وآخرون بمزيج من الخجل والصمت. لم يتكلم أحد ولم يجرؤ أحد. وقف دون روكي هناك بجانب كرسيه الخشبي القديم. كان يدخن وعيناه نصف مغمضتين وقبعته مائلة إلى الخلف وفكه مشدود. بجانبه عقد رئيس العمال ذراعيه بتعبير جاد متجنبا التواصل البصري المباشر مع ألف. أمر دون روكي دون أن يرفع صوته أطلقوا سراحه.
أطاع الرجال. تقدم ألف خطوة إلى الأمام مترددا لكنه لم يسقط. وقف ثابتا أنفاسه متقطعة وصدره عار كدرع. سأل السيد بصوت أجش أين الحصان أجاب ألف دون تردد حر. أين ينبغي أن يكون أطلق دون روكي ضحكة جافة مريرة. حر حيوان مريض أعرج بالكاد يستطيع المشي. وتقول لي إن هذه هي الحرية قال ألف أكثر حرية من أن أكون عبدك هنا. أفضل أن أراه يموت وهو يقاتل من أجل حياته على أن يعيش كشيء لا يريده أحد.
انتشرت همهمة بين عمال المزرعة. خفض بعضهم أبصارهم وتظاهر آخرون بعدم السماع. تقدم رئيس العمال لكن دون روكي رفع يده آمرا بالصمت. ومن تظن نفسك أيها الوغد بصق. بطلا. هل تظن أن مجرد رعايتك لحيوان يمنحك الحق في تقرير ما يحدث على هذه الأرض أجاب أليف سبيروي هوند بصوت مسموع لكن حلقه كان يحترق لكن صوته لم يرتجف لست بطلا يا سيدي. أنا مجرد فتى لم يستطع تحمل رؤية شخص يتألم أمام الجميع دون أن يحرك أحد ساكنا.
ازداد الصمت ثقلا. أثارت نسمة الظهيرة غبارا كثيفا حول أقدام الحاضرين. تقدم دون روكي بضع خطوات فأصبح على بعد أقل من متر. سقط ظله على الصبي كجبل. وماذا تجني من كل هذا أتظن أنك ستغير العالم بدموعك لم يجب ألف على الفور بل نظر إليه مباشرة. للحظة رأى الزعيم. رأى رجلا منهكا قساه الزمن وقسته السلطة واعتاد على سحق من لا يملكون شيئا.
قال أخيرا لا أريد تغيير العالم أريد فقط تغيير عالمك. أريدك ولو لمرة واحدة أن تنظر إلى أي شخص بعين الرحمة حتى لو كان مجرد حصان. راقبه دون روكي في صمت وارتجفت شفتاه. لم يكن معتادا على أن يخاطب بهذه الطريقة فضلا عن أن يخاطبه طفل وبالأخص طفل يستطيع أن يسحقه بكلمة واحدة. لكنه لم يتكلم. ليس بعد. من مؤخرة الفناء سمع صوت حوافر. استدار الجميع. ظهر حصان على الطريق المؤدي إلى الغابة.
كان يعرج لكنه تقدم ورأسه مرفوع عازما. كان ترينو. ألفوغو أنجيلو. خطا خطوة للأمام وانطلق ترينو
نحوه مباشرة وكأن لا شيء آخر موجود. وصل الحصان إلى وسط الساحة وتوقف أمام الصبي. لمعت عيناه ورغم أنه كان يلهث إلا أن حضوره كان مهيبا. حبس الحاضرون أنفاسهم. ترينو المرفوض عديم الفائدة الذي كان من المفترض أن يموت وقف هناك ينظر إلى سيده دون خوف. لم ينطق دون روكي بكلمة. كان وجهه قناعا بلا تعبير.
ثم وقف أليف بينه وبين الحصان وفتح ذراعيه كدرع هش. إن أراده فعليه أن يتجاوزني. تسرب تنهيدة بين العمال وتمتم رئيس العمال بكلمات غير مفهومة. وأومأ أحد العمال بقبعته. وقف دون روكي بلا حراك لما بدا وكأنه دهر. ثم دون أن يرفع عينيه عن الصبي بصق على الأرض واستدار على عقبيه. افعل ما تشاء لا داعي لإضاعة المزيد من الوقت في هذا الأمر قالها وهو يتجه نحو المنزل.
نظر إليه المشرف بشك لكنه لم يجرؤ على معارضته. شعر ألف بعودة الهواء إلى رئتيه. التفت إلى ترينو وعانقه بشدة ودفن وجهه في رقبته. صهل الحصان بهدوء وكأنه يشكره على هذه اللفتة. همس الصبي لقد وعدتك لن يؤذيك أحد بعد الآن. بدأ أحدهم بالتصفيق من الخلف ثم آخر ثم آخر. في غضون ثوان امتلأت الساحة بأكملها بتصفيق خجول لكنه نابع من القلب.
ليس من أجل الحصان ولا من أجل المدير بل من أجل الصبي الذي تجرأ على الحب بلا خوف. وهكذا وسط ذلك التصفيق أدرك ألف أن كفاحه لم يذهب سدى. لأن تغيير حياة ما هو في بعض الأحيان تغيير للعالم. كان صدى التصفيق لا يزال يتردد في الأجواء عندما كسر صوت محرك الصمت. من المدخل الرئيسي للمزرعة انطلقت شاحنة صغيرة بيضاء على الطريق الترابي مثيرة الغبار.
توقفت المركبة فجأة بصوت صرير ونزل منها رجل طويل القامة ذو شعر رمادي ووجه أسمر من الشمس. كان يرتدي قميصا عليه شعار عيادة المدينة البيطرية. بدا هادئا لكن عينيه كانتا تتنقلان بتمعن كمن يقرأ مشهدا قبل أن يحكم عليه. سأل بحزم وهو يغلق باب الشاحنة ماذا يجري هنا. لم يجب أحد على الفور. خيم الصمت مجددا على الساحة صمت ثقيل وعميق.
استدار دون روكي الذي كان قد بدأ بالابتعاد وقد بدا عليه الانزعاج. تمتم قائلا لم أطلب منك المجيء مبكرا يا دكتور. أومأ الرجل ببطء وعيناه لا تزالان مثبتتين على ثاندر وأليف. تلقيت رسالتك الليلة الماضية. ظننت أنها عاجلة. حصان مريض على وشك الموت الرحيم. لم يكن كذلك. كان ذلك قبل أن يضخم هذا الصبي الأمر بمسرحياته الرخيصة. شخر المدير مشيرا بازدراء إلى أليف. سار الطبيب البيطري غير متأثر إلى وسط الساحة.
توقف على بعد نصف متر تقريبا من ثاندر الذي كان يراقبه بآذان منتصبة حذرا لكن هادئا. لم يتحرك ألف. كان يمسك الحبل بإحكام كما لو أن كل خيط منه امتداد لقلبه. سأله الطبيب بلطف ما اسمك يا بني أجاب الصبي بصوت ناعم لكن حازم ألف. هل أنت مربي خيول ألف. لأسابيع لم يرغب أحد آخر في القيام بذلك. كان مصابا. تخلوا عنه. انحنى الطبيب البيطري بجانب الحصان وفحص الضمادة المؤقتة ونظر إلى التورم في ساقه.
بحرص. لمس حواف الجرح وتحقق من حرارة الحيوان. لم يبد ثاندر أي اعتراض. استلقى ساكنا يتنفس بعمق. سأله بنبرة دهشة هل استخدمت الطين وأوراق المريمية أجاب أليف نعم سيدي. وكان يرتدي قميصا قديما خاليا من الضمادات. استقام الرجل ببطء يراقب الصبي كما لو أنه رأى شيئا لم يرغب أحد في رؤيته. قال مؤكدا إنه ملتهب نعم لكنه قاوم أكثر مما توقعت. ما زال لديه قوة ما زال لديه إرادة.
التفت إلى دون روكي وقال هذا الحصان ليس مستعدا للموت. سخر منه الرئيس قائلا وماذا تريدني أن أفعل أن أعطيه غرفة بمروحة إنه مصدر إزعاج ونفقات إضافية وهذا الصبي ليس حتى منا. هيا أنت مجرد عبء. صمت الطبيب البيطري للحظة ثم نظر إلى أليف وقال هل تعلم يا أوليف خفض الصبي رأسه متسائلا لم أدعهم يقتلونه. قال الرجل بابتسامة خفيفة بل فعلت أكثر من ذلك. أعد الصدقات. لمعت عيناه بدموع لم تتوقف عن الانهمار.
حدق عمال المزرعة من حوله في الطبيب البيطري وكأنه ينطق بحقيقة لم يجرؤ أحد على ذكرها. تابع الطبيب البيطري قائلا دون روكي أقترح أن آخذ الحصان معي. سأعالجه في عيادة
العناصر الدنيا. سأرى إن كان بالإمكان إعادة تأهيله. وبينما نحن بصدد ذلك نظر إلى ألف بتمعن أود أن يأتي هذا الفتى معي. لديه غريزة رعاية ومدرب خيول حقيقي. لا يمكننا تجاهل ذلك. ضحك المدير مع سورنا. إذن أنت الآن ستتبنى خيولا وأيتاما.
لم يرهب الطبيب البيطري. قال اتضح أنك ستبلغ عنك بتهمة التخلي عن الحيوانات إذا أصررت على الاستمرار في التخلص من الكائنات الحية كما لو كانت قمامة. وإذا أردت إضافة تهمة إساءة معاملة الأطفال إلى ذلك فلك ذلك أيضا. لدي شهود. ساد همهمة قلقة بين العمال. لم يعد بعضهم يختبئ. نظروا إلى دون روكي بوجوه متوترة كما لو أنهم رأوا رئيسهم على حقيقته أخيرا. بقي الرجل صامتا يكبح جماح كبريائه.
نظر إلى الصبي ثم إلى الحصان ثم إلى الطبيب البيطري وأخيرا دون أن ينبس ببنت شفة رفع يده في استخفاف وانصرف نحو منزله. كان استسلاما صامتا لكنه نهائي. أطلق أليف أخيرا زفيرا كان يحبسه. هز ترينو رأسه واقترب منه. عانقه الصبي بشدة. اقترب الطبيب البيطري ووضع يده على كتفيهما. هيا يا بني أمامنا عمل كثير. هل يمكنني البقاء معه طوال الوقت
سأل ألفوتا عن المشاعر. بالطبع لكنها الآن مسؤوليتك. لم يعد الأمر مجرد وعد بل أصبح مسارا. أومأ ألف برأسه. ولأول مرة منذ زمن طويل شعر أن لهذا المسار وجهة وأنهم ليسوا وحدهم وأن هناك من يرى ما رآه هو منذ البداية. وبينما كان الثلاثة يصعدون إلى الشاحنة بمساعدة منحدر مؤقت راقبهم عمال المزرعة في صمت. أومأ بعضهم برؤوسهم. ورسم أحدهم إشارة الصليب. كان الصبي المسكين والحصان الجريح يغادران لكن بقي جزء منهم.
كدليل على أن الرحمة حتى في أقسى الأراضي يمكن أن تزدهر. وهكذا بينما انطلقت الشاحنة الصغيرة مبتعدة في غبار الغروب الذهبي نظر ألف من النافذة ممسكا برقبة صديقه وشعر لأول مرة في حياته أن أحدهم قد وصل في الوقت المناسب تماما. شاهد غير متوقع غير مصيره إلى الأبد. كان صوت الشاحنة على الطريق الترابي أشبه بتهويدة في صدر ألف.
جلس الصبي في المقعد الخلفي وجسده مغطى ببطانية خشنة أعطاه إياها الطبيب البيطري. وإلى جانبه كان ترينو مستلقيا في مؤخرة السيارة على فراش مؤقت من القش وقطع قماش نظيفة وبطانيات. كان يتنفس بعمق منهكا لكنه مطمئن. أغمض عينيه وإن كان يفتحهما بين الحين والآخر وينظر نحو آف كما لو كان يبحث عن تأكيد أنهما ما زالا معا. لم يرفع الصبي عينيه عن صديقه لم يتكلم ولم ينم بل راقبه بمزيج من الخوف والارتياح الذي يبقى بعد النجاة من شيء بدا مستحيلا.
كان جسده لا يزال يؤلمه من أيام المشي والليالي التي قضاها بلا معطف ولحظات الرعب لكن أكثر ما كان يؤلمه هو ذلك الصمت الداخلي ذلك الصوت الذي كان يخبره دائما أن الأمر لا يهم. والآن ولأول مرة بدأ ذلك الصوت يصمت. نظر الدكتور إيزيكيل وهو يقود السيارة بفضول في مرآة الرؤية الخلفية. لقد التقى بالعديد من الأطفال في حياته أبناء المرضى والمتدربين الصغار وحتى أطفال الشوارع الذين عالجهم من العضات أو الجروح.
لكن كان هناك شيء ما في أليف حيره. كان صغيرا هشا يداه متشققتان من العمل وعيناه جادتان أكثر من اللازم بالنسبة لسنه. ومع ذلك فقد فعل شيئا لم يجرؤ عليه حتى شخص بالغ قوي. الحماية. سأل حزقيال بعد برهة هل أنت جائع أومأ أليف بخجل. لدي بعض البسكويت في درج السيارة. ليس طازجا لكنه سيفي بالغرض. فتح الصبي درج السيارة بحذر وأخرج علبة. كان البسكويت قاسيا وجافا لكن عندما قضم أول قطعة تذوق شيئا لم يكن يتوقعه.
في المنزل. أكلها ببطء دون لهفة وكأنه لا يريدها أن تنتهي. سأله الطبيب البيطري بنبرة محايدة كيف خطرت لك فكرة الاعتناء به تردد ألف قبل أن يجيب. نظر إلى ترينو ثم إلى الأفق وهمس أخيرا لأنني كنت بحاجة إلى من يعتني بي أيضا. لم ينطق إيزيكيل بكلمة. ركز نظره على الطريق. اخترقت كلمات الصبي قلبه. كان يعلم أن هذا النوع من الحقيقة لا يدرس في المدارس. بل يكتسب من خلال المعاناة وقد أدرك ألف ذلك مبكرا جدا.
وصلوا إلى العيادة مع بزوغ فجر يوم جديد. كان المكان متواضعا تحيط
به أشجار الفاكهة وله سياج أبيض وإسطبل
تم نسخ الرابط