عبدٌ شيّد جزيرةً كمصيدة موت بعد أن أُغرقت زوجته… 12 من الأثرياء الصيادين لم يعودوا قط

لمحة نيوز

عبد بنى جزيرة مميتة بعد غرق زوجته... 12 صيادا ثريا لم يعودوا أبدا
قصة عن الحب والفقدان وعن ما يحدث عندما يدفع الإنسان إلى أقصى حدوده.
كان شمشون في التاسعة عشرة من عمره حين شاهد حبيبته تغرق في مياه نهر هائج. حدث ذلك يوم ثلاثاء من شهر أغسطس عام 1857 في مزرعة بومونت على ساحل ولاية كارولاينا الجنوبية حيث كانت رائحة البحر المالحة تمتزج برائحة حقول القطن وكان صوت الأمواج المتواصل يذكر المستعبدين بأنهم محاصرون بين المحيط والجحيم بلا مفر.
أحب سامسون سارة طوال ثلاث سنوات منذ اليوم الذي وصلت فيه وهي في الخامسة عشرة من عمرها. كانت قد بيعت من مزرعة في فرجينيا بعد وفاة والدتها. صغيرة الحجم قوية الشخصية وبعيون لا تزال تحمل بقايا أمل رغم كل ما مرت به. وقعا في الحب كما يفعل المستعبدون بهدوء بحذر يقتنصان اللحظات بين ساعات العمل ويبنيان شيئا ثمينا في عالم صمم لتدمير كل ما هو جميل.
همس سامسون ذات ليلة في كوخها ممسكا بيدها في الظلام
يجب أن نتزوج. يجب أن نجعل توماس العجوز ينطق بهذه الكلمات لنجعل الأمر حقيقة.
هزت سارة رأسها بخوف
السيد بومونت لن يسمح. إنه يراقبني ويتحدث عن تزويجي من يعقوب أو أحد عمال الحقول.
ثم أضافت بصوت منكسر
يقول إنني شابة وقوية ويمكنني أن أنجب عمالا جيدين.
أثارت كلماتها اشمئزاز سامسون. كانت سياسة التكاثر التي تعامل البشر كالمواشي وتجبر النساء على إنجاب أطفال لن يمتلكنهم حقا واحدة من أبشع آليات العبودية.
قال سامسون بحسم
إذن لا نطلب الإذن سنفعل ذلك فحسب.
في ليلة الأحد سيعقد توماس قرانهما سرا. ما لا يعرفه السيد بومونت لن يضرهما. ابتسمت سارة وهمست
رائع وجميل.
قال سامسون بثقة خافتة
ليلة الأحد. أنا وأنت.
لكن أحدا كان يتنصت. كلارا إحدى خادمات المنزل التي كانت تخدم بومونت مباشرة وتضمن بقاءها بالإبلاغ عما تسمعه التقطت الهمسات ونقلتها فورا إلى سيدها.
حل يوم الأحد.
وقف شمشون وسارة أمام توماس العجوز في كوخهما محاطين بعشرات الشهود من المستعبدين. تشابكت الأيدي وارتفعت الأنفاس بينما بدأ الرجل العجوز يتلو الكلمات التقليدية
أمام الله وهذا الجمع أعلن اتحادهما
وفجأة انفتح الباب بعنف.
وقف السيد بومونت وإلى جواره مشرفان ووجهه محمر من الغضب
أوقفوا هذا فورا!
ساد صمت ثقيل.
كان بومونت في الخمسين تقريبا غارقا في الثراء والإسراف لكن قسوته عوضت ضعفه الجسدي. كان يملك ثلاثة وثمانين عبدا ويحكمهم بوحشية ممنهجة هدفها سحق أي بادرة استقلال.
قال بصوت هادئ ينذر بالخطر
سامسون هل ظننت حقا أنك تستطيع الزواج دون إذني وهل ظننت أنني سأسمح لك بالزواج من هذه الفتاة وأنا لدي خطط أخرى لها
بدأ سامسون مترددا
سيدي نحن فقط نريد
قاطعه بومونت صارخا
أنت لا تريدين شيئا!
وأشار إلى سارة
أنت ملكي. لا حق لك في الرغبة. لا حق لك في الاختيار. وجدت لخدمة أغراضي. وغرضي من سارة هو إنجاب عاملات قويات لا إهدارها على عامل حقل يتوهم أن له حقوقا.
تقدمت سارة خطوة. كان صوتها يرتجف لكن التحدي فيه كان واضحا
نحن نحب بعضنا يا سيد بومونت.
صفعها.
سقطت أرضا.
ضحك

باحتقار
حب أتتحدثين عن الحب أنتم لا تحبون. أنتم تتصرفون كالحيوانات ثم تسمون ذلك حبا لتقنعوا أنفسكم بإنسانيتكم.
تحرك سامسون دون تفكير.
وقف بينه وبين سارة قبضتاه مشدودتان وجسده درع يحميها من ضربة أخرى.
تجمد الهواء.
كان تهديد عبد لرجل أبيض جسديا حكما بالإعدام.
ابتسم بومونت ابتسامة مروعة
أوه سامسون شكرا لك. لقد منحتني العذر الذي كنت أحتاجه.
سحب سامسون إلى عمود الجلد في الفناء.
اجتمع الجميع.
ثلاثة وثمانون عبدا أجبروا على المشاهدة فالدروس في ذلك المكان كانت تتطلب شهودا.
جلست سارة في الصف الأمامي ممسوكة بين مشرفين مجبرة على رؤية كل لحظة.
أعلن بومونت ببرود
خمسون جلدة لجريمة تهديد رجل أبيض ومحاولة الزواج دون إذن.
هبط السوط الأول كصاعقة مزقت الصمت.
تشنج ظهر شمشون.
الألم اشتعل.
لكنه لم يصرخ.
لن يمنحه بومونت تلك المتعة. الثانية الثالثة. وبحلول العاشرة كان الدم يسيل على ظهره كأنهار مفتوحة. وبحلول العشرين لم يعد قادرا على كتم صرخاته. وبحلول الثلاثين صار يتوسل لا لنفسه بل راجيا أن يسمحوا لسارة أن تصرف نظرها أن يجنبوها رؤية هذا.
أبقوا عينيها مفتوحتين أمر بومونت ببرود.
أريدها أن ترى ما يحدث للرجال الذين يظنون أن بإمكانهم المطالبة بما هو لي.
بعد خمسين جلدة كان شمشون معلقا على العمود بين الحياة والموت. ظهره محطم ووعيه يتلاشى ويعود في ومضات متقطعة. ومن خلال غشاوة الألم سمع سارة تصرخ باسمه تحاول الإفلات من قبضة المشرفين.
دعوني أذهب إليه أرجوكم شمشون!
اقترب بومونت منها يتأملها كما لو كانت شيئا يخصه.
أنت تحبينه حقا أليس كذلك يا له من أمر مؤثر.
توقف لحظة ثم أردف بصوت خافت يحمل قسوة باردة
لكن عليك أن تتعلمي الدرس نفسه الذي تعلمه للتو. ليس لك حق الحب. ليس لك حق الرغبة. أنت موجودة لأغراضي.
أومأ برأسه.
جروا سارة نحو حوض الخيول حوض خشبي ضخم يستخدم لسقاية الحيوانات وكان ممتلئا بمياه أمطار ذلك الصباح.
لا!
خرج الصوت من حلق شمشون مكسورا منهكا عاجزا عن فعل أي شيء سوى المشاهدة.
أرجوك لا.
أمسك بومونت سارة من شعرها وأجبرها على غمر وجهها في الماء.
قاومت. راحتاها تخدشان الخشب. ساقاها تركلان الهواء.
وأبقى بومونت وجهها تحت السطح يعد ببطء
واحد ميسيسيبي.
اثنان ميسيسيبي.
ثلاثة
بعد عشرين ثانية سحبها إلى الأعلى.
شهقت تختنق والماء يتدفق من أنفها وفمها.
قال بهدوء مخيف
هذا ما يحدث عندما تنسين حدودك.
ثم دفعها للأسفل مرة أخرى.
هذه المرة عد حتى الثلاثين.
عندما رفعها كانت بالكاد واعية.
تتقيأ الماء.
وعيناها متسعتان بالرعب.
سيدي أرجوك.
توسل توماس العجوز من بين الحشد المرتجف.
لقد تعلمت. إنها تفهم.
نظر بومونت إلى سارة.
هل تفهمين فعلا
اقترب منها أكثر وصوته يقطر تهديدا
هل تفهمين أنك ملكي وأنني سأفعل بك ما أشاء
همست سارة بالكاد قادرة على الكلام
أنا أحبه وسأحبه دائما لا يمكنك لا يمكنك أخذ ذلك.
تجمدت ملامح بومونت.
لحظة صمت ثقيلة.
ثم قال
إذن لقد اخترت.
دفعها إلى الأسفل للمرة الثالثة.
هذه المرة لم يسحبها.
ظل شمشون يراقب مربوطا إلى عمود الجلد ينزف
عاجزا بينما كانت سارة تكافح تحت الماء.
خمسة وأربعون ثانية تقريبا.
راقب حركاتها وهي تضعف.
راقب الفقاعات وهي تتلاشى.
راقب السكون.
وأخيرا أطلق بومونت سراحها.
انهار جسدها في الحوض طافيا على وجهه.
وتحول لون الماء إلى وردي باهت بفعل الدم المتدفق من شفتها المتشققة.
لم يكن الصوت الذي خرج من حلق شمشون بشريا.
كان شيئا يتجاوز الحزن والغضب.
صوتا جعل حتى أقسى المشرفين يتراجعون خطوة إلى الوراء.
اقترب منه بومونت والماء يقطر من يديه.
هذا هو الدرس يا شمشون. حاولت أن تأخذ ما هو لي فأخذت ما هو لك.
انحنى نحوه هامسا
تذكر هذا جيدا في المرة القادمة التي تفكر فيها في الرغبات.
تركوا جثة سارة في الحوض لمدة ساعة.
رسالة أخرى.
درس آخر.
ثم أنزلوا شمشون وألقوا به في الغرفة ليستعيد عافيته أو ليموت.
لم يكن بومونت يكترث لأي منهما. استلقى شمشون على فراشه الرقيق.
ظهره كتلة من اللحم الممزق. وعقله أكثر تمزقا.
همس له بعض المستعبدين بكلمات مواساة وحاولوا تضميد جراحه لكنه لم يصغ إليهم. لم ير سوى وجه سارة يغيب تحت الماء مرة بعد أخرى في حلقة مرعبة لا تنتهي. مع حلول الليل جلس توماس العجوز بجانبه وقال بصوت مكسور أنا آسف يا بني. فأجابه سامسون ببرود قاتل لقد ماتت. هو من أنهى حياتها.
أغرقوها كما تغرق قطة صغيرة غير مرغوب فيها. أعلم ذلك ولا حيلة لي. إن حاولت إيذاءه سيشنقونني وإن حاولت الهرب سيقبضون علي ويعذبونني. إن فعلت أي شيء عدا الاستسلام فالنصر لهم. أحيانا يكون البقاء هو النصر الوحيد قال توماس بهدوء. لكن شمشون هز رأسه ببطء البقاء ليس نصرا.
إنه مجرد استمرار للوجود في الجحيم ولم يعد ذلك كافيا. في تلك الليلة رغم جراحه ورغم الألم الذي جعل كل حركة عذابا زحف شمشون خارج غرفته. كان الحارس الذي نصبه المشرف نائما وهو أمر غير معتاد. لكن شمشون كان شديد التركيز لدرجة أنه لم يشكك في حظه. شق طريقه إلى الرصيف حيث تربط قوارب المزرعة الصغيرة.
كان لدى بومونت ثلاثة قوارب قارب عمل كبير لنقل القطن وقارب صيد صغير وقارب تجديف للاستخدام الشخصي. أخذ سامسون قارب التجديف وفك رباطه بيدين مرتعشتين ودفعه إلى الماء ثم صعد إليه وظهره يصرخ من الألم. لم تكن لديه خطة ولا وجهة. امتد المحيط أمامه مظلما بلا نهاية.
وفي مكان ما داخل عقله المحطم فكر شمشون حسنا دعها تأخذني. دعني أختف في الماء كما اختفت سارة. دعني أغرق وربما أجدها حيث يذهب الغرقى. ابتعد عن المزرعة بعيدا عن الساحل إلى المحيط الأطلسي. لم يكن له دليل سوى النجوم ولا وجهة سوى فكرة الموت.
بعد ساعتين تقريبا ضربت العاصفة. عاصفة صيفية مفاجئة رياح وأمطار وأمواج كان يفترض أن تقلب القارب الصغير في لحظة. لم يقاوم سامسون ولم يحاول النجاة بل جلس بينما كان المحيط يحاول ابتلاعه مستسلما له. لكن للمحيط رأيا آخر. دفعت العاصفة القارب جنوبا وشرقا وحملته عبر فوضى هائجة لساعات حتى ارتطم قرب الفجر بشاطئ مجهول وسقط سامسون في المياه الضحلة. بقي هناك حتى أشرقت الشمس.
كان أقرب إلى الموت منه إلى الحياة. جراحه ملوثة بماء البحر جسده يرتجف
من انخفاض حاد في الحرارة وعقله خال من كل شيء سوى اسم سارة. حط طائر بحري بالقرب منه وأمال رأسه بفضول. في الأفق لمح شمشون أشجارا. لم تكن صنوبر البر الرئيسي بل نباتا مختلفا. جزيرة. زحف نحو الداخل تاركا أثرا من الدم وماء البحر.
وجد نبع ماء عذب يتدفق بين الصخور. شرب حتى تقيأ ثم شرب مجددا وانهار بجانبه فاقدا الوعي. حين استيقظ كان الليل قد عاد. بدت النجوم مختلفة أو لعله هو من تغير. حاول الوقوف فتمكن من الركوع ونظر حوله للمرة الأولى. كانت الجزيرة صغيرة ربما بطول ميلين مغطاة بغابات كثيفة ومحاطة بشواطئ صخرية.
لا أثر لوجود بشري لا قوارب لا مبان لا دخان. كان ينبغي أن يشعر باليأس وأن يدرك أنه عالق وربما سيموت ببطء من الجوع أو العدوى. لكنه شعر بشيء آخر. فضول عنيد. تحرك بحذر بين الأشجار رغم ألمه فوجد أشجار فاكهة وتينا بريا وثمارا تشبه البرقوق.
عثر على أعشاش طيور تحوي بيضا وبرك مد وجزر تعج بالأسماك وسرطانات البحر. ثم وجد الكهف. كان مخفيا خلف ستارة من الكروم على الشاطئ الغربي بالكاد يرى مدخله حتى في وضح النهار. في الداخل انفتح على غرفة واسعة جافة وباردة ولم تكن خالية. بدا أن أحدهم استخدم المكان منذ زمن بعيد كما يشير الصدأ والتآكل.
لكنهم تركوا مؤنا متناثرة حبل متآكل ما زال متين الصنع أدوات معدنية صدئة بقايا صندوق خشبي وأشياء أخرى حبست أنفاس شمشون. أسلحة قديمة. سيف صدئ. مسدس بآلية صوان لا يمكن إصلاحه. ومنظار محفوظ على نحو مدهش في جفاف الكهف. خطافات صيد. مسامير. علبة إشعال ما زال الصوان فيها صالحا.
قراصنة. لا بد أنه مخبأ قراصنة هجر منذ عقود مع أفول عصر قراصنة الكاريبي. جلس شمشون في عمق الكهف ممسكا بالمنظار. وللمرة الأولى منذ وفاة سارة تسلل إلى صدره إحساس مختلف. لم يكن حزنا ولا غضبا. كان ومضة أمل.
لم يقتله المحيط. بل حملته العاصفة إلى هنا جزيرة غنية بالموارد مخفية عن العيون ومجهزة بأدوات قد تعني النجاة 
لم يقتله المحيط بل سلحه زحف شمشون نحو مدخل الكهف وحدق عبر صفحة الماء وفي مكان ما هناك ربما على بعد خمسة أميال كان البر الرئيسي والمزرعة وبومونت فمال برأسه وهمس للريح بصوت مبحوح أنا لست ميتا ظننتم أنكم أغرقتموني.
ظننتم أنني سأختفي لكنني هنا وسأجعلكم تدفعون الثمن. لم يكن يعلم كيف سيحدث ذلك ولم يكن يعرف متى لكن بينما كان يجلس في كهف القراصنة على جزيرة مهجورة ممسكا بأدوات خلفها رجال حاربوا إمبراطوريات وخسروا ومع ذلك قاتلوا حتى النهاية قطع وعدا صامتا للمرأة التي ماتت من أجل حبه.
سينجو وسيتعلم وسيتحول إلى شيء أشد خطرا من مجرد عبد هارب سيصبح شبحا وفخا وحسابا مؤجلا وعندما يصل سيد بومونت إلى هذه الجزيرة وهو سيتأكد من وصوله ستكون تلك آخر مرة تطأ فيها قدماه هذا المكان.
لقد غرق العبد المسمى شمشون في حوض الخيول بجوار سارة أما الذي نجا فكان شيئا آخر شيئا صبورا شيئا فتاكا شيئا صاغه المحيط من الحزن والغضب وبقايا أسلحة القراصنة وكان لديه متسع من الوقت للاستعداد.
في الشهر الأول على الجزيرة نجا سامسون بأعجوبة كان ظهره ملتهبا
وخمسون جرحا من ضربات السوط امتلأت بالماء المالح والرمل تتحول ببطء إلى تسمم دموي تحت شمس الساحل الخانقة. استبدت به الحمى أياما طويلة وكان
تم نسخ الرابط