عبدٌ شيّد جزيرةً كمصيدة موت بعد أن أُغرقت زوجته… 12 من الأثرياء الصيادين لم يعودوا قط
المحتويات
يزحف إلى نبع الماء العذب يشرب حتى يتقيأ ثم ينهار داخل الكهف بينما يقاوم جسده عدوى كان يفترض أن تقتله لكن شيئا ما أبقاه حيا ربما عنادا ربما شبح سارة وربما رفض المحيط أن يتركه يموت بعدما حمله إلى هذا الحد.
وبحلول سبتمبر انخفضت حرارته استيقظ ذات صباح بعينين صافيتين ليكتشف أنه فقد ما يقارب عشرين رطلا وصار جسده نحيلا قاسيا منحوتا بقسوة البقاء بينما التئمت الجروح وتحولت الندوب إلى نتوءات بارزة على ظهره خريطة دائمة لقسوة بومونت.
وقف عند مدخل الكهف ونظر إلى الجزيرة بعينين جديدتين لم تعد سجنا ولا قبرا بل حصنا ينتظر أن يبنى. في ذلك اليوم بدأ عمله الحقيقي فكان الاستطلاع أولا أمضى أسبوعين يرسم خريطة لكل شبر من الجزيرة التي امتدت نحو ميلين طولا ونصف ميل عرضا عند أوسع نقطة على هيئة هلال يحتضن الكهف في منحناه الداخلي حيث الغابة الكثيفة في القلب والشواطئ الصخرية شرقا وشمالا والشريط الرملي جنوبا حيث قذفته الأمواج.
والأهم أنه اكتشف تضاريس قاع البحر كانت الجزيرة تستقر فوق شعاب ضحلة تمتد خمسين ياردة شمالا وشرقا وعند انخفاض المد كان يرى الصخور الوعرة تحت سطح الماء مباشرة صخورا قاتلة غير مرئية لأي بحار يقترب من جهة البر الرئيسي الواقع على بعد خمسة أميال شمال غرب الجزيرة بينما بدا الجنوب والغرب أكثر رحمة بمياههما الأعمق وقنواتهما الآمنة.
أي بحار عاقل كان سيختار تلك الطرق لكن مهمة شمشون كانت التأكد من ألا يكونوا عقلاء.
أصبحت غنائم القراصنة ترسانته عمل المنظار بكفاءة مدهشة ومن أعلى نتوء صخري في الجزيرة أطلق عليه اسم قمة سارة كان يراقب البر الرئيسي صباحا ومساء يحفظ أنماط القوارب ويميز السفن وبعد أسبوعين ظهر ما كان ينتظره يخت ذو أشرعة حمراء سفينة بومونت الشخصية التي ترافقه في رحلات الصيد واللهو بين الجزر الحاجزة.
راقبهم طويلا ضحكاتهم بنادقهم وجثث الحيوانات العائدة معهم وهمس وهو ينزل المنظار أنت تحب الصيد دعنا نرى كيف يبدو الأمر حين تصبح أنت الفريسة.
لكن قبل الانتقام كان عليه بناء حصنه.
بدأ بالحبال كان حبل القراصنة متآكلا لكنه علمه الفكرة فجمع الكروم من الغابة وجرب جدلها مرة بعد أخرى انهارت محاولاته الأولى سريعا لكنه أتقنها تدريجيا حتى امتلك مئات الأقدام من الحبال المتينة ومع الحبال ولدت الاحتمالات فخاخ شراك ومخازن معلقة تخفي المؤن عن جرذان الجزيرة.
ثم جاءت الأسلحة كانت الشفرة صدئة ميؤوسا منها لكن المعدن لم يكن كذلك فطرقها بالحجارة وشكل شفرات بدائية وشحذها حتى صارت قادرة على تنظيف السمك أو تمزيق ما هو أكبر. أما صنارات الصيد فكانت كنزا حقيقيا تعلم المد والجزر عرف مواسم الأسماك وصار صيادا بارعا وصنع رفا للتدخين من الخشب الأخضر وتعلم حفظ الطعام لأيام فلم يعد الجوع عدوا.
ثم جاء دور الصيد البري كانت الجزيرة مأوى لخنازير برية صغيرة وشرسة وسريعة على نحو مهين فصنع رمحا من غصن مستقيم ونصل حاد وفشل ثلاث مرات لكن في المحاولة الرابعة أصاب الهدف وانغرس الرمح في كتف خنزير
وكان ذلك أول درس حقيقي في البقاء وأول طعم للدم.
كانت التجربة قاسية مرهقة ومفيدة. هكذا يشعر المرء عند قتله قال سامسون لروح سارة تلك الليلة وهو يشوي لحم الخنزير على ناره. ليس نظيفا وليس سهلا ولكنه ضروري. بحلول نوفمبر بعد ثلاثة أشهر من وصوله تحول سامسون من منبوذ جائع إلى شخص آخر. ناج يمتلك المهارات والموارد وخطة متنامية.
بدأ مرحلة التحصين. وكانت الأوتاد المغمورة أول مشروع رئيسي له. عند انحسار المد انتظر سامسون عند الشعاب المرجانية على الجانب الشمالي ومعه أعمدة خشبية مدببة. شتلات قطعها وقشرها وصقلها بالنار حتى أصبحت مدببة. غرسها في القاع الرملي بين الصخور فخلق غابة من الأوتاد غير مرئية عند ارتفاع المد لكنها قاتلة لأي قارب يمر فوقها. استغرق الأمر شهرين لإنجازها.
كانت يداه تنزفان باستمرار. كانت أسماك القرش تحوم حوله أحيانا أثناء عمله لكن شيئا فشيئا تشكل حاجز مميت تحت الأمواج. خمسون وتدا تغطي المدخل الشمالي موضوعة لتمزيق أي سفينة تحاول الإبحار في قناة المياه العميقة الآمنة التي حددها. بعد ذلك وضع علامات زائفة. باستخدام خشب طاف وحبل قراصنة صنع سامسون علامات قناة بدائية من النوع الذي كان البحارة يستخدمونه للإشارة إلى الممر الآمن ووضعها في الماء المؤدي مباشرة إلى حقل الأوتاد مما جعلها تبدو وكأنها مفيدة.
علامات الملاحة التي تركها الزوار السابقون. على الجانب الجنوبي حيث كان الطريق الآمن فعليا أزال سامسون أي أخشاب طافية قد تستخدم كعلامات طبيعية وركب الصخور ليجعل القناة تبدو خطرة. الرسالة واضحة لأي قارب قادم الجانب الشمالي والجانب الجنوبي خطير عكس الحقيقة.
بحلول يناير 1858 أي بعد خمسة أشهر من وصوله اكتملت التحصينات تحت الماء. انتقل شمشون إلى التحصينات البرية فحفر حفرا عميقة في أنحاء الغابة مغطاة بأغصان وأوراق متشابكة وبطن قيعانها بأوتاد خشبية مشتعلة. وضعها على طول المسارات الطبيعية من الشاطئ إلى الداخل وهي أماكن يسلكها الرجال بشكل غريزي.
بنى مواقع مرتفعة في الأشجار منصات مخفية بين أوراق الشجر حيث كان يختبئ ويطلق السهام على الأهداف في الأسفل. تعلم الرماية بنفسه باستخدام قوس صنعه من خشب الجزيرة المرن ووتر من أمعاء الخنزير. كانت دقته متوسطة في البداية لكن أشهرا من التدريب أكسبته المهارة. صنع فخاخا من الحبال على طول الشواطئ حلقات مخفية تعلق بالكواحل وتسحب الضحايا في الهواء تاركة إياهم معلقين عاجزين.
جربها أولا على الخنازير. نجحت تماما واستخلص السم. كانت الجزيرة مليئة بشجيرات الدفلى البرية المزهرة الجميلة شديدة السمية. اكتشف شمشون من خلال تجارب دقيقة بدءا بالفئران ثم الخنازير أن غلي الأوراق ينتج مادة قاتلة. غطى بها أطراف الأوراق وشفرات السكاكين فصنع أسلحة قادرة على القتل حتى مع الجروح الطفيفة.
كما وجد شجيرة الشوكران المائي تنمو قرب نبع الماء العذب. نبتة
كان عليه استدراج بومونت إلى هنا. تطلب ذلك معلومات استخباراتية وتخطيطا والأخطر من ذلك كله العودة إلى البر الرئيسي. أمضى سامسون أسابيع في التحضير للتسلل إلى البر الرئيسي. لم يكن بوسعه العودة بمظهره المعتاد فهو معروف جدا وخطير للغاية. لذا ترك شعره ينمو طويلا وبلا حياة وأطلق لحيته الكثيفة.
زادت أشهر الشمس من اسمرار بشرته. غيرت أشهر الكفاح من بنيته الجسدية. أصبح أنحف وأكثر صلابة بجلد متصلب وندوب تحكي قصة حياة قاسية. تدرب على لكنة مختلفة لكنة الكاريبي التي سمعها من بعض عمال الساحل. تدرب على المشي بطريقة مختلفة بخطوات بحارة متمايلة.
خلق هوية جديدة في ذهنه. صموئيل جونز بحار أسود حر هرب من سفينة وكان بحاجة إلى عمل. كان التحول مذهلا. عندما نظر سامسون أخيرا إلى انعكاس صورته في بركة مد وجزر بالكاد تعرف على نفسه. لقد اختفى ذلك العبد الحقل ذو التسعة عشر عاما الذي هرب من المزرعة قبل سبعة أشهر.
ما تبقى بدا وكأنه ناج من غرق سفينة وعاصفة وهو كذلك بالفعل. في أبريل 1858 بعد نحو ثمانية أشهر من وفاة سارة كان سامسون مستعدا. أمضى أسبوعه الأخير على الجزيرة يتحدث إلى شبح سارة وهي عادة دأب عليها إذ كان يخاطبها كل مساء كما لو كانت تسمعه. قال سأعود وهو يحفر اسمها أعمق في جدار الكهف حيث كان قد نقشه قبل أشهر.
ليس للهرب ولا للاختباء بل للتأكد من مجيئه إلى هنا والتأكد من مجيئهم جميعا إلى هنا. بدا صوت الريح في الكهف وكأنه إجابة كأنه إذن كأن سارة تقول اجعلهم يدفعون الثمن. جمع شمشون المؤن التي سيحتاجها للتسلل المنظار الثمين الذي لا يمكن تركه والحبل والسكين وعلبة الكبريت.
بنى قاربا أفضل خلال فصل الشتاء وهو عبارة عن مركب صغير من نوع الكاتاماران مصنوع من خشب طاف وحبال من الكروم وكان أكثر ثباتا من قارب التجديف الذي نقله إلى هنا. في الخامس عشر من أبريل انتظر المد والجزر المناسبين والطقس الجيد. قبيل الفجر أطلق قاربه وبدأ رحلته التي امتدت لخمسة أميال إلى البر الرئيسي. استغرقت الرحلة ثلاث ساعات.
اقترب سامسون من الساحل شمال مزرعة بومونت ونزل في منطقة مهجورة قرب مدينة تشارلستون الساحلية. سحب القارب إلى الشاطئ وغطاه بالأغصان ودخل المدينة متظاهرا بأنه بحار يبحث عن عمل. أول من نظر إليه مرتين كان عاملا في الميناء.
هل أنت جديد هنا قال سامسون بلكنته الكاريبية المتقنة لقد تركت السفينة قبل ثلاثة أيام. كان القبطان سكيرا ومحتالا يبحث عن عمل شريف. راقبه الرجل. هل لديك أوراق تثبت حريتك كانت هذه هي اللحظة الخطيرة. أخرج سامسون الأوراق المزورة التي صنعها باستخدام علبة إشعال النار الخاصة بالقراصنة والفحم وكتب على قماش أعده من جلد الخنزير.
بدت الوثائق بدائية لكنها معقولة من النوع الذي قد يحمله بحار أسود
علم أن رحلة صيد بومونت كانت مقررة في منتصف يونيو أي بعد شهرين فقط. ثلاث سفن واثنا عشر مزارعا ثريا يخططون لقضاء أسبوع في الصيد على الجزر الحاجزة. فرصة مثالية. في الليلة الثالثة اقتحم سامسون مكتب مدير الميناء. كان قد راقب المبنى لمدة يومين وحفظ نظام تناوب الحراسة وحدد نقطة الضعف وهي نافذة تركت مفتوحة للتهوية.
في الداخل وجد ما يحتاجه خرائط ملاحية للجزر الحاجزة. كانت الخرائط مرسومة بدقة متناهية تظهر الأعماق والمخاطر والمراسي الآمنة. وجد سامسون جزيرته على الفور معلمة باسم هلال الشيطان مع ملاحظة غير مأهولة مدخلها الشمالي وعر وخطير فراغ. باستخدام الفحم عدل سامسون الخريطة بعناية.
غير مسار الطريق الشمالي الخطير إلى مرسى آمن في قناة مائية عميقة. وأضاف ملاحظة نبع ماء عذب وفرة في الصيد ومناطق صيد مثالية. أزال جميع التحذيرات بشأن الصخور المغمورة. جعل المكان يبدو كجنة. ثم أعاد الخريطة إلى موقعها الأصلي وتسلل من النافذة دون أن يترك أثرا لوجوده هناك.
بعد ثلاثة أيام عاد سامسون إلى قلعته الجزيرة ووقف على قمة سارة ممسكا بالمنظار يراقب البر الرئيسي ومزرعة بومونت في الأفق واليخت ذي الشراع الأحمر الذي سيبحر بعد شهرين مباشرة إلى فخه. همس لروح سارة إنهم قادمون. لا أعرف إن كنت سأنجو مما سيحدث عندما يصلون لكنني أعدك بهذا.
لن ينجوا هم أيضا. سيدفع كل واحد منهم ثمن ما فعلوه بك. بدا صوت الريح بين الأشجار وكأنه موافقة. نزل شمشون من القمة وعاد إلى عمله. شهران للاستعداد. شهران للتأكد تماما من أنه عندما تهبط 12 وحشا على جزيرته لن يخرج منها واحد حيا.
كانت القلعة جاهزة. نصبت الفخاخ. جهزت الأسلحة. لم يكن ينقصه الآن سوى الصبر. وقد تعلم شمشون الصبر من سبعة أشهر من الصمود. سبعة أشهر من الحزن تحولت إلى حسابات دقيقة. سبعة أشهر من بناء شيء رهيب وضروري من حطام حياته. لقد أنقذه المحيط.
لقد زودته الجزيرة بالسلاح. وقادته ذكرى سارة. وسرعان ما سيدرك السيد بومونت أن بعض الأشياء التي تغرق لا تبقى ميتة. بل تعود متغيرة قاتلة صبورة. تعود كالعواصف. في مايو 1858 بعد عشرة أشهر من وفاة سارة أطلق سامسون قاربه الشراعي في الظلام مخططا لانطلاقه مع انحسار المد قبل الفجر عندما يكون التيار بين الجزيرة والبر الرئيسي في أضعف حالاته.
استغرقت الرحلة أقل من ثلاث ساعات. كان قد قام بها مرتين من قبل كتدريبات دائما في الليل ودائما ما كان يعود قبل شروق الشمس. لكن هذه المرة كانت مختلفة. هذه المرة لن يعود لأيام ربما لأسابيع. هذه المرة كان يسير عائدا إلى العالم الذي دمره. يحمل أوراقا مزورة وهوية مزيفة ويخاطر بكل شيء في خطة تتطلب دقة وتوقيتا وحظا قد لا يملكه.
ارتطم القارب بالشاطئ
متابعة القراءة