شوهد السائح آخر مرة في صحراء سونورا، وبعد شهرين عُثر عليه داخل شاحنة مهجورة وهو مقيد اليدين
المحتويات
قضية اختفاء.
في نهاية شهر يوليو عام ألفين وخمسة عشر، كانت درجات الحرارة في المنطقة تقترب من تسع وأربعين درجة مئوية، ما جعل الوديان الرملية أشبه بفرن مفتوح، وكان من غير الممكن أن يعيش إنسان أكثر من ثلاثة أيام في تلك الظروف القاسية.
في التاسع والعشرين من يوليو، كان مزارع يُدعى صموئيل إيفانز يمتطي حصانه قرب الحدود الشمالية لأرضه، يبحث عن ماشية ضائعة، عندما لمح بريقًا معدنيًا غريبًا في وادٍ عميق وجاف يُعرف باسم سانتا كروز.
في البداية ظن أنه مجرد كومة خردة صدئة.
لكن حين اقترب أكثر، تعرّف على سقف وجزء من كابينة شاحنة قديمة مخصصة للحصاد.
كانت الشاحنة مدفونة في الرمال إلى منتصفها تقريبًا، وتبدو غريبة وسط الصخور والصبار، على مسافة بعيدة عن أقرب مزرعة وطريق ترابي.
أخبر المزارع المحققين أن حصانه بدأ يتصرف بقلق واضح، ورفض الاقتراب من الشاحنة.
وعندما وصل هو إلى الباب الخلفي، سمع صوتًا جعله يتجمد في مكانه.
كان صوت طرق خافت، متقطع، لكنه منتظم، كأن شخصًا يضرب المعدن من الداخل بكل ما تبقى لديه من قوة.
غادر المكان فورًا ليبحث عن إشارة اتصال، وطلب النجدة.
عندما وصل الشريف جونسون مع فريق الإنقاذ وطائرة إسعاف، كانت الشمس في أعلى السماء، وقدّر الخبراء أن حرارة المعدن تجاوزت خمسًا وستين درجة مئوية.
سجّل الضباط أن الأبواب كانت ساخنة إلى درجة خطيرة، واضطروا إلى فتحها بأدوات ثقيلة وهم يرتدون قفازات سميكة مقاومة للحرارة.
وحين فُتح الباب، عمّ الصمت.
وصف الحاضرون المشهد لاحقًا بأنه من أصعب ما رأوه في حياتهم المهنية.
كان الهواء داخل الشاحنة خانقًا، مشبعًا برائحة العرق والمخلفات البشرية، ومزيجًا قاسيًا من الروائح الناتجة عن الاحتجاز الطويل في مكان مغلق.
في إحدى الزوايا، فوق غطاء متسخ،
وصف الطبيب مايكل روس حالته بأنها أشبه بهيكل عظمي لا يزال على قيد الحياة.
بعد ثمانية أسابيع من الاحتجاز، فقد نحو سبعة وعشرين كيلوغرامًا من وزنه، وتحول لون بشرته إلى رمادي داكن، وغطت جسده قروح وجروح بسبب الاحتكاك المستمر بالمعدن الساخن.
كانت يداه مقيدتين خلف ظهره بأربطة بلاستيكية سوداء، انغرست عميقًا في معصميه حتى أعاقت تدفق الدم.
أكثر التفاصيل قسوة التي وثّقتها كاميرات الأدلة كانت وجه الضحية.
كانت عينا برنت مغطاتين بالكامل بعدة طبقات من شريط أسود عريض يلتف بإحكام حول رأسه، فلا يترك أي منفذ للضوء.
لم ينطق بكلمة مفهومة.
كان يطلق أنفاسًا متقطعة، أشبه بزفرات مؤلمة تخرج بصعوبة بينما يُحمل على النقالة.
شفتاه كانتا متشققتين بعمق، ولسانه متورم من شدة العطش إلى درجة أنه لم يستطع إغلاق فمه.
ردة فعل المحققين كانت فورية.
بعضهم ابتعد متأثرًا بالرائحة القاسية ومشهد الألم الإنساني، بينما بدأ المسعف فورًا في تثبيت حالته، وأدخل إليه محلولًا لتعويض السوائل عبر أنبوب طبي في مكان العثور عليه.
كل ما في المشهد كان يؤكد أن برنت براون لم يضل الطريق فقط.
بل كان محتجزًا في تجربة قاسية ومنظمة، وكأن كل دقيقة قضاها داخل ذلك الصندوق الحديدي كانت جزءًا من خطة مدروسة.
لاحظت الشرطة عدم وجود أي طعام داخل الشاحنة.
فقط وعاء ماء فارغ، بدا وكأنه كان يُملأ من وقت إلى آخر.
عندما أقلعت طائرة الإسعاف لنقله إلى مستشفى فينيكس، بقي فريق من الفنيين في الموقع يفحصون كل جزء من المعدن.
مشهد الرجل المقيد وعيناه مغطاتان بالشريط اللاصق جعل حتى أكثر الضباط صلابة يشيحون بوجوههم.
أدركوا أن الصحراء لم تعُد به من تلقاء نفسها.
لقد أُخرج من قبر كان على وشك أن يُغلق عليه.
لم تكن هناك آثار أقدام
نُقل برنت إلى مستشفى فينيكس العام في نحو الساعة الثانية ظهرًا.
وفي الوقت نفسه، بدأ فريق متخصص في الأدلة الجنائية فحصًا دقيقًا لمحيط الشاحنة في وادي سانتا كروز.
كان الهدف إعادة بناء تسلسل الجريمة دقيقة بدقيقة.
متى التقى مسار المتنزه بمسار الخاطف؟
باستخدام بيانات آخر إشارة من هاتفه وتقارير البحث الأولى، حدد فريق التحقيق نقطة جغرافية تبعد نحو ستة كيلومترات شمال غرب موقف سيارات ساوث فورك.
هذه النقطة كانت على حدود أرض يملكها رجل يدعى رايلي باركر، يبلغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا.
كان اسمه قد ظهر سابقًا في سجلات مكتب الشريف بسبب بلاغات عن نوبات غضب حادة وتهديدات ضد عابري الطريق.
الانتقال من مرحلة الإنقاذ إلى ملاحقة مشتبه به كان لحظة فاصلة في القضية.
وصلت وحدات الشرطة إلى مزرعته، وهي أرض واسعة تمتد على نحو مئتين وأربعين ألف متر مربع من الصخور القاسية والنباتات الجافة، وهم يشعرون أن اللغز يقترب من الحل.
عندما دخلت سيارات الدورية، خرج باركر من سقيفة معدنية مليئة بقطع غيار صدئة، وبدا عدائيًا منذ اللحظة الأولى.
صرخ محتجًا على دخول أرضه، وطالب برؤية إذن تفتيش.
تصرفه زاد من شكوك المحققين، وبدا وكأنه يحاول إخفاء شيء.
أما أوليفيا براون، زوجة برنت، فقد وصفت حالتها حين علمت باحتجاز المزارع بأنها مزيج من خوف شديد وغضب بارد.
قالت لاحقًا إنها أرادت فقط أن ترى وجه الرجل الذي وضع زوجها في صندوق حديدي ثمانية أسابيع.
استمر استجواب باركر في مركز شرطة توكسون أكثر من اثنتي عشرة ساعة متواصلة.
وأخيرًا، أدلى بتصريح سُجّل رسميًا ضمن ملف القضية.
قال إنه في صباح الثالث والعشرين من مايو رأى رجلًا يطابق وصف برنت.
وصفه بأنه بدا متعبًا،
أصرّ المزارع على أنه بعد حديث قصير عاد إلى إصلاح نظام الري، ولم يرَ السائح مرة أخرى.
ضغط المحققون عليه يومين كاملين، ينتظرون زلة لسان، أو انهيارًا يكشف الحقيقة.
لكن الصمت ظل مسيطرًا.
لكن الأدلة التقنية التي جمعها المحققون بدأت تميل في صالح الرجل الناسك.
أظهر تحليل سجلات استهلاك الكهرباء في المزرعة خلال الشهرين الماضيين معدلًا ثابتًا تمامًا، يتطابق بدقة مع أوقات تشغيل معدات ضخ المياه، ما يؤكد وجود باركر في أرضه يوميًا.
كما بينت بيانات جهاز تتبع مثبت على جراره الزراعي، ضمن برنامج حكومي لمكافحة تآكل التربة، أن الآلة لم تبتعد عن حدود المزرعة سوى مسافة قصيرة جدًا طوال تلك الفترة.
وعند فحص مركبته الوحيدة الصالحة للاستخدام، وهي شاحنة قديمة صدئة، تبين أن محركها معطل بالكامل بسبب خلل خطير في ناقل الحركة، ولم يتم تشغيلها منذ أوائل شهر أبريل على الأقل.
كل هذه الحقائق أوضحت أن رايلي باركر لم يكن قادرًا جسديًا على نقل شاحنة حصاد ثقيلة عبر تضاريس صحراء سونورا الوعرة، ولا على مراقبة الضحية يوميًا لمدة ثمانية أسابيع دون أن يلفت الانتباه.
ساد شعور بالإحباط داخل مقر التحقيق.
أدرك المحققون أن باركر ربما لم يكن سوى اسم سهل يمكن إلقاء الشبهة عليه.
أما الجاني الحقيقي، فكان أكثر دهاءً مما تصوروا.
اختار توقيت الاختطاف ومكانه بعناية، بحيث يسقط أول ظل للشك على شخص له سمعة سيئة، فيكسب هو وقتًا ثمينًا للاختفاء.
اتضح أن ما حدث لم يكن فعلًا عشوائيًا، بل خطة مدروسة ببرود، استُخدمت فيها الصحراء نفسها كأداة تمويه.
أكد خبراء الأدلة في موقع العثور على الشاحنة أن ضغط الإطارات كان مضبوطًا بدقة للسير
كل دليل جديد كان
متابعة القراءة