شوهد السائح آخر مرة في صحراء سونورا، وبعد شهرين عُثر عليه داخل شاحنة مهجورة وهو مقيد اليدين

لمحة نيوز

يعزز فكرة واحدة هناك شخص آخر، غير مرئي، يراقب من بعيد.
وبينما كانت التحقيقات تتقدم، بقي خيط مادي واحد يربط الجريمة بالعالم الواقعي شاحنة حصاد بيضاء قديمة.
بالنسبة للمحققين، لم تعد مجرد قطعة خردة مهجورة، بل أصبحت الأمل الأخير للوصول إلى أثر الرجل الذي خطط بعناية ليظل خفيًا.
كان التحقق من أرقام تعريف المركبة مهمة معقدة بسبب حالتها المتآكلة.
لكن بمساعدة خبراء من دوريات الطرق السريعة في الولاية، تمكنوا من استعادة الرقم المتضرر، ما قادهم إلى رجل في منتصف العمر يعيش في مدينة هندرسون بولاية نيفادا.
عند استجوابه بالتعاون مع الشرطة المحلية، أكد أنه كان يملك الشاحنة سابقًا، لكنه باعها قبل نحو عامين.
غير أن طريقة البيع أثارت الشكوك.
قال إن المشتري تواصل معه فقط عبر البريد الإلكتروني وإعلان على موقع إلكتروني مغلق.
تم ترك مبلغ ألفين وخمسمائة دولار نقدًا داخل صندوق بريد قديم قرب محطة وقود مهجورة على الطريق السريع رقم خمسة وتسعين.
أما المفاتيح، فقد وضعها تحت العجلة الأمامية اليمنى، دون أن يرى المشتري وجهًا لوجه.
في البداية اعتُبر البائع مشتبهًا رئيسيًا، خاصة بعد أن كشف سكان الحي عن شكاوى سابقة ضده بسبب سلوك عدواني وصراخ ليلي وتهديدات.
لكن بعد خمسة أيام من التحقيق، تبيّن أن لديه حجة قوية.
فخلال فترة احتجاز برنت التي امتدت ثمانية أسابيع، كان يتلقى علاجًا في مستشفى خارج الولاية، ولم يغادره طوال تلك المدة.
بلغ الإحباط ذروته.
وعند هذه النقطة، قرر فريق الأدلة إجراء فحص أكثر دقة لكابينة الشاحنة ومنطقة الشحن.
استخدموا إضاءة خاصة ومكانس دقيقة لجمع أصغر الجزيئات من أسفل المقاعد وداخل فتحات التهوية.
كانت النتيجة صادمة.
تم العثور على تركيز عالٍ من مسحوق صناعي ناعم، إلى جانب آثار لمركبات كيميائية تُستخدم عادة في حفظ
العينات العضوية وتعقيم الأماكن المعقمة بدرجة عالية.
بحسب خبير الكيمياء الجنائية، هذه المواد لا توجد في بيئة زراعية عادية، ولا يمكن أن يتركها مزارع أو سائح.
كان واضحًا أن الخاطف لم يستخدم الشاحنة كوسيلة نقل فقط.
بل حوّلها إلى غرفة احتجاز شبه محكمة الإغلاق، مُعدة بعناية.
بهذا الاكتشاف، تغير مسار التحقيق بالكامل.
لم يعد البحث عن رجل غاضب في مزرعة نائية.
بل عن شخص يملك معرفة علمية، وخطة دقيقة، وهدوءًا مخيفًا.
أدركت الشرطة أنها لا تبحث عن مجرم عابر أو شخص منعزل على الهامش، بل عن إنسان يمتلك تدريبًا متخصصًا عالي المستوى، ويستطيع الوصول إلى مواد لا تُباع في المتاجر العادية.
كان واضحًا أن كل مرحلة خُطط لها بعناية.
تحوّل الجزء الخلفي من الشاحنة القديمة إلى غرفة معقمة، أشبه بمختبر مغلق، أصبحت فيه معاناة إنسان جزءًا من تجربة مضبوطة بدقة.
أصبح المحققون يبحثون عن متخصص يتصرف ببرود كامل، ويتعامل مع الضحية لا كإنسان، بل ككائن حي يخضع للمراقبة طويلة الأمد.
بدأ فريق التحقيق في إعداد قوائم بأسماء الباحثين وفنيي المختبرات الذين يمكنهم الوصول إلى مواد كيميائية مماثلة ضمن دائرة واسعة حول موقع الجريمة.
ركزوا بشكل خاص على من تركوا وظائفهم في ظروف غامضة، أو سُجلت ضدهم مخالفات أخلاقية.
في اليوم الرابع من وجود برنت في وحدة العناية المركزة بمستشفى فينيكس المركزي، بدأ أول استجواب رسمي له.
كان ذلك في الرابع من أغسطس عام ألفين وخمسة عشر، في الساعة العاشرة صباحًا.
حالته الصحية كانت حرجة وغير مستقرة.
شخّص الأطباء إصابته بجفاف شديد، وضمور في الأنسجة العضلية جعله عاجزًا عن الحركة بمفرده، إضافة إلى حروق عميقة حول العينين بسبب الالتصاق الطويل للمواد اللاصقة.
استغرقت عملية إزالة الشريط من وجهه أكثر من أربع ساعات كاملة.
كانت الطبقات
الأربع عشرة من الشريط قد التصقت فعليًا بطبقات الجلد العليا طوال ثمانية أسابيع متواصلة.
استخدم الأطباء مواد مذيبة وأدوات جراحية دقيقة لتحرير وجهه تدريجيًا، ببطء شديد.
لم يكن قادرًا حتى على الصراخ، بسبب تورم لسانه الشديد وجفاف أحباله الصوتية.
وعندما تمكن أخيرًا من الكلام، كان صوته ضعيفًا، أشبه باحتكاك هواء جاف.
ما قاله أكد أسوأ مخاوف فريق التحقيق.
لم يصف احتجازه كأسر تقليدي.
بل قال إنه كان جزءًا من عملية منظمة، واضحة المعالم، كل تفصيل فيها محسوب.
بحسب شهادته، لم يتحدث الخاطف إليه بكلمة واحدة.
لم يسمع منه صوتًا يكشف عن عمره أو جنسه.
كان يظهر مرة واحدة يوميًا، في توقيت ثابت.
لم يكن برنت يعرف قدومه إلا من صوت الباب المعدني الثقيل وهو يُفتح، يتبعه اندفاع هواء الصحراء الحار إلى الداخل.
كان كل شيء يتم في صمت.
أول ما يفعله الخاطف هو فحص الأربطة البلاستيكية في معصميه، والتي كانت قد انغرست عميقًا في اللحم، مسببة خدرًا مزمنًا وفقدانًا جزئيًا للإحساس.
بعد ذلك، يقيس نبضه، ثم حرارة جسده بواسطة جهاز إلكتروني.
وفي كل مرة، يترك كمية صغيرة جدًا من الماء داخل وعاء بلاستيكي، وقطعة طعام عالية السعرات.
تذكر برنت بوضوح إحساس برودة أداة الفحص على صدره، وصوت ورق يُقلب ببطء.
كان الخاطف يدوّن ملاحظات بعد كل فحص، كما لو كان يسجل نتائج تجربة علمية.
أصعب ما في الأمر، بحسب برنت، لم يكن الجوع أو الألم.
بل الظلام الكامل.
منذ اليوم الثاني، فقد القدرة على التمييز بين الليل والنهار.
عاش ستين يومًا دون أن يرى ضوءًا واحدًا.
مع الوقت، بدأ عقله يخلق أصواتًا وصورًا غير حقيقية.
كان يظن أحيانًا أن جدران الشاحنة تضيق عليه تحت ضغط الرمال.
أو يتخيل صوت قطار بعيد يمر عبر الوادي.
لكن الواقع كان يعيده دائمًا إلى صوت خطوات ثقيلة ثابتة، خطوات
الشخص الذي يراقبه بلا رحمة.
قال إنه شعر وكأنه عينة حية موضوعة داخل وعاء مراقبة كبير.
وحين حاول أن يتحدث، أن يسأل، أن يتوسل، لم يتلق أي رد.
بالنسبة للخاطف، لم يكن إنسانًا.
كان موضوعًا لدراسة ردود فعل الجسد تحت أقصى درجات الضغط والحرمان الحسي.
جاءت هذه الشهادة متطابقة تمامًا مع ما عثر عليه خبراء الأدلة داخل الشاحنة، من جزيئات دقيقة لمسحوق صناعي، وآثار لمواد تُستخدم في حفظ العينات وتعقيم البيئات المغلقة.
كل شيء كان يشير إلى عقل منظم، بارد، يعرف تمامًا ما يفعل.
أدرك المحقق هاريسون وفريق عمله في النهاية أنهم يتعاملون مع شخص لديه تدريب طبي أو بحثي احترافي وإمكانية الوصول الحر إلى معرفة محددة في مجال علم النفس الفيزيولوجي التطبيقي.
لم يكن المجرم يسعى إلى تحقيق مكاسب مالية.
كان هدفه الحقيقي هو إجراء تجربة طويلة الأمد قائمة على أسس علمية حول الحرمان الحسي ودراسة الحد الحرج لقدرة الإنسان على التحمل.
وقد انتقل التحقيق الآن أخيراً إلى المجتمع العلمي والأوساط الأكاديمية في ولاية أريزونا.
بدأ فريق التحقيق مراجعة شاملة لقوائم الباحثين السابقين وعلماء الكيمياء الحيوية والموظفين التقنيين في مراكز الأبحاث الخاصة الذين تعطلت مسيرتهم المهنية بسبب انتهاكات أخلاقية جسيمة أو أبحاث غير مصرح بها أو أمراض عقلية.
أصبح البحث أكثر فأكثر سرعة.
تم الآن تحليل كل اسم بالتفصيل من خلال منظور ملف تعريف نفسي يشير إلى شخص يتمتع بذكاء عالٍ للغاية، وانعدام تام للتعاطف، وميل مرضي للسيطرة الكاملة.
أدرك المحققون أن اسم الشخص الذي حوّل حياة برنت براون إلى كابوس لا نهاية له في صندوق معدني ساخن في وسط الصحراء كان موجوداً في مكان ما بين هذه التقارير الجافة والملفات الشخصية.
أمرت قيادة قسم الشرطة بتفتيش جميع المستودعات المهجورة والمختبرات
الخاصة التابعة للأفراد المدرجين على قائمة المشتبه بهم.
كان برنت براون
تم نسخ الرابط