شوهد السائح آخر مرة في صحراء سونورا، وبعد شهرين عُثر عليه داخل شاحنة مهجورة وهو مقيد اليدين

لمحة نيوز

أول خيط حقيقي في سلسلة من الأحداث التي أدت إلى قلب الظلام.
لم يحصل التحقيق، الذي كان في حالة ركود تقني كامل لفترة طويلة، على دفعة حاسمة إلا بعد أن وسع المحققون نطاق بحثهم ليشمل الموظفين السابقين في المختبرات البيولوجية المغلقة ومراكز الأبحاث الخاصة في ولاية أريزونا.
وبحسب التحقيق الرسمي، ظهر اسم الفني جاريد كولينز، البالغ من العمر ثلاثين عامًا، لأول مرة في تقارير فرقة العمل قبل أسبوعين فقط من إنقاذ برنت براون، ولم يكن اسمه مطروحًا في العلن آنذاك.
كشف فحص دقيق لسجلات الموظفين أن كولينز طُرد من مركز أبحاث للأنظمة الحيوية بعد فضيحة داخلية، حين عُثر في حاسوبه على ملفات تتضمن حسابات مفصلة لأقصى درجات الإجهاد على الجهاز العصبي البشري.
وأظهرت تلك الملفات دراسات عن تأثير العزلة الكاملة والحرارة المرتفعة في الجسد، وهي أبحاث لم تكن مصرحًا بها ضمن نطاق عمله الرسمي داخل المركز.
ورغم سيرته الأكاديمية المتميزة وسمعته كشخص هادئ ومنضبط، كانت خلف تلك الصورة صدمة شخصية عميقة، اعتبرها المحققون الدافع الأساسي لتحوله التدريجي نحو سلوك إجرامي.
أشار تقرير التحقق من خلفيته إلى أن زوجته توفيت قبل ثلاث سنوات نتيجة جفاف شديد في منطقة جبلية نائية، بعد حادث سيارة جعلها تنتظر المساعدة أربع عشرة ساعة وهي بكامل وعيها.
هذا الحدث الموثق في تقارير الشرطة حوّل حزنه إلى هوس بارد ومنهجي بآليات الموت
وحدود قدرة الإنسان على التحمل، حتى أصبح الألم في نظره مسألة قياس وتجربة.
لم تكن صحراء سونورا بالنسبة إليه مكانًا للراحة أو الاستكشاف، بل مساحة مفتوحة يراها مناسبة لاختبار أفكاره القاسية تحت ظروف طبيعية قاسية.
تشير إعادة بناء الأحداث إلى أنه خطط لتجربته ثمانية أشهر كاملة، واضعًا تفاصيل دقيقة تتعلق بالإمدادات ومسارات التنقل ومصادر الاتصال، دون ترك شيء للصدفة.
اشترى شاحنة قديمة عبر وسطاء مقابل ألفين وخمسمائة دولار نقدًا، ثم حولها إلى مختبر متنقل مغلق مزود بعزل حراري ونظام تهوية يسمح بالتحكم في درجة الحرارة.
أظهرت سجلات الاتصالات وكاميرات الطرق أنه تتبع برنت إلى موقف سيارات قرب أحد المسارات الصحراوية في الثالث والعشرين من مايو عام ألفين وخمسة عشر، وراقبه من مسافة بعيدة بعدسات مكبرة.
عندما رأى برنت يتحدث إلى رجل يعيش منعزلًا قرب أرضه، أدرك أن الشبهة قد تتجه إليه لاحقًا، فاعتبر ذلك فرصة مناسبة لإبعاد الأنظار عن نفسه.
وقع الاختطاف على بعد ثلاثة أميال من مغادرة برنت للمزرعة، بعد أن رتب كولينز المشهد بحيث يبدو أن الشك المنطقي سيتجه نحو شخص آخر.
لم ينظر جاريد إلى برنت كإنسان له مشاعر وحقوق، بل سجله في ملفاته الرقمية تحت اسم تقني هو الوحدة صفر واحد، وكأنه موضوع تجربة بلا هوية.
كان ينقل الشاحنة ليلًا عبر الصحراء مستخدمًا خرائط تفصيلية وأجهزة رؤية ليلية، ليبقيها في ظلال الصخور
العميقة بعيدًا عن حرارة الشمس المباشرة.
كان يدرك أن ارتفاع حرارة المعدن قد يهدد حياة ضحيته بسرعة، لذلك كان يتحكم في موقع الشاحنة بدقة شديدة للحفاظ على درجة حرارة محددة.
أظهرت التحليلات النفسية أنه كان يستمد شعورًا بالسيطرة من التحكم في كل تفصيلة من حياة برنت، من كمية الماء إلى عدد السعرات الحرارية.
سجل كل رشفة ماء، سواء كانت قليلة أو أكثر، وكل وجبة بروتين، وكل ساعة يقضيها برنت في الظلام الكامل داخل الصندوق المعدني.
لم يعتبر ما يفعله جريمة، بل كان يراه دراسة علمية حول حدود التحمل البشري، وكان ينوي الاستمرار حتى الانهيار النفسي الكامل للضحية.
كان واثقًا من تفوقه التقني ومن قدرته على تضليل سلطات إنفاذ القانون، معتقدًا أن خطته محكمة ولا يمكن كشفها بسهولة.
لكن مصادفة غير متوقعة غيّرت كل شيء، حين لاحظ أحد المزارعين شاحنة متوقفة في مكان غير معتاد أثناء بحثه عن ماشية مفقودة.
أدى ذلك الاكتشاف إلى فتح باب الشاحنة وإنقاذ برنت، منهياً تجربة استمرت أسابيع وكان كولينز يصفها بأنها أهم أعماله.
بدأت الشرطة تفتيش منزل جاريد في ضاحية راقية صباح الثالث من أغسطس عام ألفين وخمسة عشر، تحت إشراف فرق متخصصة.
كان المنزل شديد التعقيم، بجدران بيضاء وأثاث بسيط، وخاليًا من الصور الشخصية، مما أعطى انطباعًا ببرودة واضحة.
لاحظ المحققون أن درجة الحرارة والرطوبة في كل غرفة كانت مضبوطة بدقة عبر نظام
مركزي.
في القبو، خلف باب عازل للصوت مزود بقفل إلكتروني، عُثر على مساحة عمل تضم خوادم وأجهزة حاسوب.
داخل خزنة مثبتة في الجدار، اكتُشف أرشيف ضخم أطلق عليه اسم مشروع سونورا، يضم مذكرات مكتوبة ونسخًا رقمية.
احتوت الوثائق على تقارير دقيقة توثق حالة برنت الجسدية والنفسية يومًا بيوم، مع رسوم بيانية لفقدان وزنه.
كان وزنه عند الاختطاف مئة وسبعين رطلاً، وانخفض إلى مئة وعشرة أرطال خلال أسابيع قليلة، ما شكل خطرًا صحيًا شديدًا.
وُجدت أدوات طبية وأشرطة لاصقة مطابقة لتلك التي أزيلت من وجه برنت في المستشفى، إضافة إلى تسجيلات مصورة من داخل الشاحنة.
أظهرت المقاطع كولينز وهو يدخل يوميًا، يقيس النبض ويدون الملاحظات دون أي تعبير عاطفي تجاه معاناة الضحية.
في الخامس عشر من أبريل عام ألفين وستة عشر، أُدين بجميع التهم الموجهة إليه، وصدر حكم بالسجن المؤبد دون إمكانية إفراج قريب.
أما برنت، فخضع لإعادة تأهيل طويلة استمرت أشهرًا، لكنه عانى من ندوب جسدية وحساسية ضوئية مزمنة.
أصبح يعاني من خوف شديد من الظلام والأماكن المغلقة، ويحتاج إلى إضاءة دائمة حتى أثناء النوم.
انتقل مع زوجته إلى ولاية أكثر اعتدالًا في المناخ، محاولًا الابتعاد عن ذكريات الصحراء، لكنه لا يزال أحيانًا يسمع في ذاكرته صوت الباب المعدني.
وهكذا بقيت تجربة مشروع سونورا مثالًا مؤلمًا على كيف يمكن للمعرفة حين تنفصل عن الرحمة أن تتحول
إلى أداة قاسية ضد الإنسان.

تم نسخ الرابط