اختفى التوأم في وادي الموت… وبعد أسبوع ظهرت إحداهما على الطريق السريع

لمحة نيوز

أدرك المحقق ريد أنهم يواجهون مجرمًا حذرًا ومنهجيًا، ارتكب أول خطأ خطير عندما احتفظ بمتعلقات الضحية داخل منزله.
كل دقيقة يقضيها توماس داخل غرفة التحقيق تحولت إلى محاولة جديدة لكسر صمته الحجري وانتزاع الحقيقة حول المكان الذي أخفى فيه أديلين بعد التخلي عن روبي.
رغم ثقة الشرطة المتزايدة في تورط ديفيد توماس، ظل هناك فراغ خطير داخل القضية يصعب تجاهله ويهدد بتقويض مسار التحقيق بالكامل.
فمقطورة توماس لم تحتوِ على عزل صوتي أو قبو سري يسمح باحتجاز شخصين طوال أسبوع كامل دون أن يلاحظ أحد وجودهما في تلك المنطقة النائية.
هذا التفصيل دفع المحققين إلى الشك في أن كمين الصياد لم يكن سوى المرحلة الأولى من لعبة أكبر، حيث يخفي الجاني مكان الاحتجاز الحقيقي في موقع أكثر أمانًا.
في صباح الحادي والعشرين من يوليو عام 2017 خيم جو كئيب على مقر التحقيق المؤقت في ضواحي بلدة لون باين.
وصف المحقق ماركوس ريد لاحقًا تلك اللحظات في تقريره بأنها حالة من العجز المهني الكامل، إذ امتلك الفريق دلائل مقلقة دون امتلاك الدليل الحاسم.
فعلى الرغم من العثور على متعلقات شخصية لإحدى الفتاتين وأدوية خطيرة داخل مقطورة ديفيد توماس الصدئة، واجه التحقيق نقصًا حادًا في الأدلة المباشرة التي تربطه بعملية الاختطاف نفسها.
أكدت التحاليل المخبرية عدم العثور على بصمات صالحة للفحص على الأشياء الموجودة داخل المقطورة، ما يشير إلى أن الجاني تصرف بحذر شديد وبأسلوب منهجي.
هذا الاكتشاف جعل المحققين يدركون أنهم يواجهون شخصًا حذرًا ربما توقع مسبقًا معظم خطوات الشرطة المحتملة أثناء التحقيق.
أكثر من عشر ساعات من الاستجواب المتواصل لم تسفر عن أي نتيجة حقيقية، إذ تمسك المشتبه به بروايته ببرود أعصاب لافت.
أجرت الشرطة عملية تفتيش ثانية مفصلة للمنطقة باستخدام معدات حديثة وأجهزة كشف متطورة، لكن العملية لم تكشف أي أثر لوجود أديلين أو علامات شجار.
في تلك الأثناء استمرت حالة روبي في المستشفى على خطورتها، وهو ما زاد الضغط النفسي على المحققين وعلى والديها المنتظرين لأي خبر.
وفقًا للتقارير الطبية صُنفت حالتها ضمن الصدمة النفسية والجسدية الحادة، حيث بدت عاجزة تقريبًا عن الحركة أو التفاعل الطبيعي مع محيطها.
اعتادت عيناها على الظلام الكامل، لذلك أصبح أي ضوء صناعي يسبب لها ألمًا واضحًا، الأمر الذي دفع الطاقم الطبي إلى إبقاء الغرفة في إضاءة شبه معتمة.
ظهرت روبي كما لو أنها مجرد غلاف بيولوجي فارغ، إذ برزت عظام وجنتيها بحدة تشبه شفرات حادة، بينما اكتسبت بشرتها لونًا رماديًا باهتًا.
هذا اللون الرمادي عادة يظهر لدى الأشخاص الذين لم يتعرضوا لضوء الشمس لفترات طويلة، وهو تفصيل أثار قلق الأطباء والمحققين معًا.
انخفض وزنها إلى مستوى خطير يشير إلى فترة طويلة من سوء التغذية القاسي، وكأن جسدها حُرم من الطعام بشكل شبه كامل.
أكثر الأعراض إزعاجًا ظهر في رد فعلها تجاه أصوات الخطوات أو إغلاق الأبواب في ممر المستشفى.
فمع كل صوت بسيط كانت تنتفض فجأة كما لو أن جسدها يستعد لتلقي ضربة غير متوقعة.
أظهرت الفتاة علامات واضحة للخضوع الكامل والصدمة النفسية العميقة الناتجة عن تجربة قاسية وطويلة.
لم يظهر عليها خوف من الأطباء أو الممرضين، بل بدا الذعر مرتبطًا بعواقب غيابها
عن مكان معين، كما لو أنها مقتنعة بوجود من يراقبها حتى هنا.
كلما فُتح باب الغرفة لم تنظر إلى الشخص الداخل، بل تسحب رأسها فورًا نحو كتفيها، تغلق عينيها بقوة، وتتجمد للحظات بينما يتباطأ تنفسها.
تلك الاستجابة تشبه سلوك كائن دُرب على توقع الألم أو العقاب مع أي صوت مفاجئ.
وجاءت أول شهادة منها على هيئة همس بالكاد يُسمع، إذ كانت تتوقف كثيرًا أثناء الكلام بينما تظل أصابعها ممسكة بقوة بطرف بطانية المستشفى.
تحدثت روبي عن ظلامٍ دائم، وعن درجٍ يهبط إلى الأسفل، وعن قبوٍ لا يعرف الوقت، مكانٍ تُمحى فيه الأيام، وتذوب الساعات، ويصبح الانتظار الشيء الوحيد الذي يملأ الفراغ.
قالت إنها أمضت كل تلك الفترة داخل مساحة ضيقة للغاية، وصفتها بكيسٍ خرساني مغلق، حيث لم يصلها من العالم الخارجي سوى صوت المطر المتساقط فوق السطح.
لم ترَ الفصول تتغير، ولم تعرف أي شهرٍ يمر أو أي سنةٍ بدأت، وتحول الزمن بالنسبة لها إلى شيءٍ غامض تقيسه فقط بزيارات قصيرة لظلالٍ تمر ثم تختفي.
لكن أكثر ما أرعب في قصتها لم يكن الظلام أو العزلة، بل حقيقة واحدة مخيفة؛ لم ترَ وجه خاطفها أبدًا، لأنه كان يظهر دائمًا مرتديًا قناعًا يخفي ملامحه بالكامل.
الرجل لم يتحدث تقريبًا بصوتٍ طبيعي، بل همس أحيانًا بالكاد يُسمع، وأحيانًا استخدم جهاز تغيير صوت إلكتروني جعل كلماته معدنية باردة خالية من أي شعور إنساني.
المحققون لاحظوا مستوى تدريبٍ مرتفع لدى الجاني، إذ لم يترك أي فرصة للتعرف عليه بصريًا أو سمعيًا، وكأن كل تفصيل خُطط بعناية لإبقاء هويته في الظل.
لكن ما أخاف الفتاة أكثر من أي شيء آخر لم يكن القبو أو القناع، بل معرفة الخاطف الدقيقة بكل تفاصيل حياتها.
كان يعرف كل شيء عنها؛ أسماء أصدقائها في الجامعة، مواقف صغيرة من طفولتها، وحتى تفاصيل لم يكن يعرفها سوى والديها.
هذا الشعور خلق لديها إحساسًا مرعبًا بأن حياتها لم تعد ملكها، وأن خصوصيتها اختفت تمامًا، كما لو أن شخصًا ما كان يراقبها منذ سنوات طويلة.
في تلك الأثناء، وصل والداها، باتريشيا ودانيال، إلى حافة الانهيار العصبي بعد أيام طويلة من الانتظار والقلق.
أقاما في موتيل صغير يدعى ماونتن كومفورت، وكانا يخرجان كل صباح إلى الشرفة، يحدقان بصمت في أفق وادي الموت الواسع، بحثًا عن أي علامة أمل.
قال دانيال لاحقًا إن رؤية طفلته في تلك الحالة كانت أصعب اختبار واجهه في حياته كلها.
في صباح يونيو المشؤوم ذلك، توقفت حياتهما تقريبًا، وكأن الزمن نفسه تجمد عند لحظة اختفاء ابنتيهما.
وبينما كان الألم يزداد، بدأ المحققون يدركون احتمال ارتكابهم خطأً كبيرًا في مسار التحقيق.
الرجل الذي ركزت عليه الشبهات منذ البداية، الصياد ديفيد توماس، ربما لم يكن الشخص الذي يبحثون عنه.
وفي الوقت نفسه، استمرت حرارة الصحراء في وادي الموت بالارتفاع إلى مستويات خطيرة، مما جعل استخدام الكاميرات الحرارية شبه مستحيل بسبب سخونة سطح الأرض الشديدة.
بالنسبة لكثير من الناس، بدأ التحقيق الرسمي في القضية رقم 48723 يتحول تدريجيًا إلى مجرد ملفٍ بارد يعلوه الغبار داخل الأرشيف.
توقفت المرحلة المكثفة من عمليات البحث والإنقاذ، وتحولت القضية ببطء إلى واحدة من حالات الاختفاء الغامضة التي لم تجد إجابة.
ذكر تقرير منسق العملية أن المنطقة مليئة
بتغيرات حادة في الارتفاعات وشجيرات كثيفة تقل فيها الرؤية أحيانًا إلى أقل من ثلاثة أمتار.
ومع مرور كل يوم جديد، تأكدت حقيقة قاسية؛ الطبيعة بارعة في إخفاء أسرارها، وصمت الغابات الجبلية قد يكون أحيانًا أعلى من أي صرخة طلبًا للمساعدة.
صرّح أحد مسؤولي المتنزه بأن العملية دخلت مرحلة سلبية، وأن سبب الاختفاء صُنّف مبدئيًا كحادث وقع في منطقة نائية.
بهذا أصبحت أديلين لويس اسمًا آخر في قائمة طويلة لأشخاص دخلوا البرية ولم يعثروا أبدًا على طريق العودة.
الضوء الذي حملته هذه العائلة لسنوات بدا وكأنه ينطفئ أخيرًا داخل ضبابٍ بارد من المجهول.
بدت نهاية التحقيق وكأنها وصلت إلى طريقٍ مسدود، بينما أخذ الأمل في إنقاذ الأخت الثانية يذوب تحت شمس كاليفورنيا القاسية.
لم يبقَ في المكان سوى موقف سياراتٍ فارغ، وملصقات باهتة تحمل صورة الفتاة، بدأت أطرافها تتفتت مع الرياح والوقت.
شوارع البلدات الصغيرة الممتدة على طول وادي الموت تحدثت عن القصة أقل فأقل، كما لو أنها مجرد أسطورة مظلمة أخرى عن البرية التي تبتلع الناس دون تفسير.
كل دقيقة صمت من روبي بدت كمسمار جديد يُدق في نعش الأمل بعودة أديلين.
والظلام المحيط بالعتبة القديمة بدا أثقل من المعتاد، كما لو أن المكان نفسه يخفي سرًا لا يريد كشفه.
في صباح الثالث والعشرين من يوليو عام 2017، الساعة التاسعة تحديدًا، انهارت الشكوك رسميًا حول الصياد ديفيد توماس.
السبب وصل في تقرير كيميائي مفصل وُضع على مكتب المحقق ماركوس ريد.
علماء السموم في مختبر Central California Laboratory اكتشفوا شيئًا غير متوقع داخل دم روبي لويس.
لم يكن مجرد مخدر مهدئ كما اعتقدوا في البداية، بل مادة مخبرية نادرة لا تباع في الأسواق ولا يمكن شراؤها من أي متجر صيد متخصص.
استُخدمت هذه المادة حصريًا داخل أبحاث علمية مغلقة بهدف خفض الوظائف الإدراكية للدماغ إلى أدنى مستوى ممكن، مع الحفاظ على استمرار العمليات الحيوية الأساسية داخل الجسد دون توقف.
المحقق ريد دوّن في تقريره أن حساب الجرعة الدقيقة لهذا العقار، مع الوزن المنخفض جدًا للفتاة، يتطلب معرفة طبية عميقة وخبرة أطباء التخدير، وهو أمر يتجاوز قدرات ناسك بسيط يعيش في الصحراء.
أي خطأ، حتى لو ببضعة مليغرامات فقط، كان سيؤدي فورًا إلى توقف قلب روبي وحدوث سكتة قلبية قاتلة قبل أن تتاح أي فرصة لإنقاذها.
ومع ذلك، أُعطيت الجرعات بدقة صيدلانية مذهلة طوال أسبوع احتجازها، وكأن شخصًا يمتلك خبرة طبية حقيقية كان يضبط الكمية بعناية في كل مرة دون أي هامش للخطأ.
عند الساعة الحادية عشرة صباحًا، وبعد أربعين دقيقة من ذلك اليوم، ظهر دليل جديد بالغ الأهمية، قلب اتجاه التحقيق بالكامل وفتح أمام المحققين احتمالًا مختلفًا عمّا تصوروه في البداية.
أثناء إعادة فحص جرح قديم في ركبة روبي نتج عن سقوطها في جولدن كانيون، لاحظ خبراء الأدلة الجنائية قطعة صغيرة جدًا من ضمادة عالقة داخل الدم المتدفق من الجرح.
تحت المجهر ظهرت بوضوح علامة زرقاء مميزة على القماش، علامة تُستخدم حصريًا داخل حقائب الإسعافات الأولية الفردية الخاصة بمتطوعي الخدمات الطبية العاملين في المتنزهات الوطنية بولاية كاليفورنيا.
هذا الاكتشاف أوحى بأن الجاني لم يكن مجرد شخص يختبئ في الصحراء، بل ربما امتلك وصولًا
رسميًا إلى الأدوية والمواد المعقمة وإلى فرق المتطوعين العاملة في منطقة آرتيست درايف.
عند الساعة الثالثة عشرة وخمس عشرة دقيقة، بدأت الشرطة عملية تدقيق واسعة في قوائم جميع المتطوعين والعاملين الطبيين الذين تواجدوا داخل المتنزه يوم اختفاء التوأم.
ومن خلال الاستبعاد ومقارنة جداول المناوبات، توصل فريق التحقيق إلى اسم رجل يبلغ ثمانية وثلاثين عامًا يُدعى كول ألين.
عمل ألين مسعفًا متطوعًا متمرسًا، وتواجد طوال السنوات الثلاث الماضية في نقطة فيو كانيون أوفِرلوك، حيث اعتاد مساعدة السياح الذين يعانون ضربات الشمس أو الإصابات البسيطة.
وفقًا لشهادات متطوعين آخرين، بدا ألين دائمًا هادئًا بشكل مفرط، بل وباردًا أحيانًا أثناء التعامل مع الناس، لكن احترافيته في العمل لم تكن محل شك لدى أحد.
عند الساعة السادسة عشرة وثلاثين دقيقة كشف فحص سجله الأكاديمي تفاصيل جعلت المحققين يشعرون بقشعريرة حقيقية.
اتضح أن كول ألين حُرم سابقًا من رخصته الطبية بعد إجرائه أبحاثًا غير مصرح بها خارج الأطر العلمية الرسمية.
داخل أرشيفه الخاص ومقالاته العلمية المنشورة بأسماء مستعارة، ظهر مرارًا موضوع تزامن عتبة الألم والنبضات العصبية بين التوائم.
إحدى أوراقه البحثية عرضت بالتفصيل فرضية تقول إن التوائم قد يشعرون بآلام بعضهم الجسدية عبر مسافات بعيدة إذا خضعت أجهزتهم العصبية لتأثير محفزات كيميائية معينة.
عند تلك اللحظة أدركت الشرطة الحقيقة المرعبة.
كول ألين لم يختطف الفتاتين عشوائيًا.
اختار روبي وأديلين تحديدًا لأنهما شكّلتا التوافق البيولوجي المثالي لتجربته المجنونة والقاسية.
المحقق ريد سجل في تقريره أن ألين استخدم زي المتطوعين كغطاء مثالي، سمح له بالاقتراب من الضحايا دون إثارة أي شكوك.
في ذلك اليوم، العاشر من يوليو، تواجد على بعد ثلاثة أميال فقط من مسار جولدن كانيون داخل سيارة دفع رباعي بيضاء تحمل شعارات المتنزه الرسمية.
سجلات كاميرات لوحة القيادة عند بوابة الخروج أظهرت أن سيارته غادرت المتنزه عند الساعة التاسعة عشرة وعشرين دقيقة.
لم يخضع صندوق السيارة للتفتيش في تلك اللحظة بسبب تمتعه بوضعية موثوق بها ضمن طاقم المتطوعين.
حصل المحققون لاحقًا على مذكرة تفتيش لمنزله الخاص في ضواحي مدينة ريدجكريست الواقعة على بعد ثمانين ميلًا جنوب وادي الموت.
تحليل حركة الهواتف المحمولة كشف أن هاتف ألين سُجل في نفس المربع الجغرافي لمدة ثلاثين دقيقة ليلة ظهور روبي على الطريق السريع 190.
هذا الاكتشاف أكد نظرية المحققين بأن ألين هو من قاد الفتاة بنفسه إلى الطريق السريع، بعدما قرر أنها لم تعد مناسبة لمواصلة تجربته العلمية.
كل مقال علمي عثر عليه المحققون في أرشيف ألين حول التفكك الكيميائي قرّبهم خطوة إضافية من فهم الجحيم الذي مرت به روبي خلال الأيام التي قضتها تحت سيطرته.
أدرك المحققون أنهم يواجهون رجلًا ينظر إلى الجسد البشري كأنه مجرد منظومة من التفاعلات الكيميائية والمعادلات الحيوية، متجاهلًا تمامًا أي مفهوم للأخلاق أو الرحمة أو التعاطف الإنساني.
أصبح كول ألين الهدف الرئيسي للعملية الأمنية.
لكن مكان احتجاز الأخت الثانية ظل مجهولًا حتى تلك اللحظة.
الدقة الطبية في كل ما فعله ألين أوحت بأن موقع الاحتجاز يجب أن يكون معقمًا ومخفيًا عن
الأنظار، مكانًا أفضل بكثير من خيمة بسيطة أو مقطورة مهجورة في الصحراء.
أدركت الشرطة أن كل
تم نسخ الرابط