تخيل أن تعثر على يوميات أخيك بعد عشرين عامًا من اختفائه… ثم تكتشف أنه لم يهرب ولم يمت

لمحة نيوز

اختفى في بلدة لم تكن موجودة رسميًا على أي خريطة، وبعد عشرين عامًا كاملة عثرتُ بالصدفة على مذكراته القديمة، واكتشفتُ آخر ما كتبه بخط يده قبل أن يختفي.
كانت إحدى ظهيرات مارس الثقيلة، تلك التي تنخفض فيها السماء حتى تكاد تلامس الأسطح، وكأنها مترددة بين أن تمطر أخيرًا أو تظل معلقة فوق البلدة، حابسة المطر داخل صدرها الرمادي.
دوّى صوت المزاد داخل ممر الأبواب المعدنية المنزلقة، مرتدًا بقسوة عن الخرسانة والحديد، بينما وقف الناس يحتسون قهوة محطة الوقود ويتظاهرون بأن الأمر ليس حزينًا.
كانوا يتنافسون بهدوء على بقايا حياة شخص آخر، حياة نفدت فرصها وأموال إيجارها منذ زمن، وبقيت مقتنياتها محبوسة داخل وحدات التخزين تنتظر من يشتريها بثمن زهيد.
كانت الوحدة الثالثة على اليسار تفوح منها رائحة الكرتون المبلل والسجائر القديمة، وعندما ارتفع الباب المعدني اندفعت موجة عفن جعلت الحشد ينحني إلى الأمام ككائن واحد.
كانوا متعطشين لأي كنز محتمل أو مفاجأة مثيرة، لكنني لم أرَ سوى مصابيح محطمة، ومرتبة ملطخة مطوية كفراشة ميتة، وكرسي استرخاء مهزوم أمام كلب ضخم.
تدلّت الصناديق فوق بعضها بلا نظام واضح، وكأنها استسلمت منذ زمن لثقل ما بداخلها، بينما وقفت أحدق في الفوضى محاولًا إقناع نفسي أن لا شيء هنا يستحق المزايدة.
لا أدري لماذا رفعت يدي للمزايدة، ربما لأن التاريخ كان الثاني عشر من مارس، اليوم نفسه الذي غادر فيه أخي المنزل قبل عشرين عامًا ولم يعد أبدًا.
خرج يومها مرتديًا سترة رمادية وحذاء عمل بسيط، ولوّح بيده عند الباب كما لو كان سيعود بعد ساعات قليلة، لكن الباب أغلق خلفه واختفى بعدها من العالم.
ربما كان السبب أيضًا موقع الوحدة في نهاية الصف، حيث يتجمع الضوء قرب المدخل وكأن الشمس نفسها تتردد قبل أن تدخل إلى الداخل.
قال الدلال بصوت رتيب بعد لحظة صمت قصيرة
بيعت مقابل خمسة وستين جنيهاً للسيدة التي ترتدي السترة الزرقاء.
كان المفتاح الذي وضعوه في راحة يدي باردًا وصغيرًا بشكل غريب، أصغر بكثير من الثقل الغامض الذي شعرت أنه قد يفتحه بعد لحظات.
كنت في الحقيقة أبحث فقط عن خزانة ملابس مستعملة أو ربما أريكة لا تفوح منها رائحة سيئة، لكنني قضيت ساعة كاملة أفتش بين أغراض غرباء رحلوا.
كانت المصابيح عديمة الفائدة، وانهار الكرسي الهزاز عندما حاولت تحريكه قليلًا، بينما أصدرت المرتبة صوتًا يشبه الفحيح عندما قطعت الغلاف البلاستيكي عنها.
كدت أعتبر الأمر كله مجرد خطأ سببه ضعف ضبط النفس في مزاد عشوائي، حتى وقع بصري على المكتب الموضوع في الزاوية الخلفية للوحدة.
كان مصنوعًا من خشب مضغوط رخيص، وإحدى قوائمه منحنية قليلًا نحو الداخل كما لو أنه قضى سنوات يحاول الوقوف رغم ثقل ما وُضع فوقه.
حاولت فتح الأدراج، لكنها كانت عالقة تمامًا، ومساراتها منتفخة بسبب الرطوبة القديمة، حتى إنني كدت أستسلم وأتركه كما هو.
ثم انزلق الدرج السفلي الأيمن فجأة إلى منتصف الطريق قبل أن يتوقف فجأة، عالقًا بشيء ما لم أستطع رؤيته.
جلست على ركبتي فوق الأرض الخرسانية الباردة، وقلبي ينبض أسرع قليلًا دون سبب واضح، ثم سحبت الدرج مرة أخرى بكل قوتي.
لكنه رفض التحرك تمامًا، ولم يكن الخشب منتفخًا بالرطوبة كما ظننت في البداية، بل كان الدرج مغلقًا بقفل صغير صدئ.
لمع ثقب مفتاح رخيص وسط رقائق الصدأ، وكأنه ينتظر منذ سنوات طويلة أن يحاول أحد فتحه أخيرًا.
فتشت جيوبي بدافع غريزي، رغم أنني لم أكن أعرف ما الذي آمل العثور عليه، ربما مفتاحًا سحريًا جاء مع الشراء دون أن أنتبه.
بالطبع لم أجد شيئًا،

لكنني تذكرت فجأة البائع وهو يقلب حلقة من المفاتيح القديمة قبل قليل، يطابقها بأقفال عشوائية لتسلية الحضور.
عدت إلى الخارج مسرعًا، فوجدته يقف بجوار شاحنته يحمّل آخر الصناديق.
قلت له
مهلاً آسف، هل ما زلت تحتفظ بتلك المفاتيح؟
أخرج الحلقة من جيبه ورفعها نحوي بنظرة ساخرة، وكأنني طلبت منه شيئًا أثمن بكثير من مجرد مفاتيح صدئة.
قال
تعرف أن لا شيء من هذه المفاتيح يناسب أي شيء، أليس كذلك؟ هذه هي اللعبة.
قلت بهدوء
أرجوك فقط دعني أجرب.
عدت إلى الوحدة، ركعت أمام المكتب، وبدأت أجرب المفاتيح واحدًا تلو الآخر بصبر.
انزلقت أربعة مفاتيح قليلًا ثم علقت، واثنان لم يدخلا أصلًا في القفل.
أما المفتاح السابع فقد دار أخيرًا.
لم يكن الدوران سلسًا كما في الأفلام، بل صوت احتكاك خشن كأن القفل يحتج على سنوات طويلة من الإهمال قبل أن يستسلم أخيرًا.
صدر صوت معدني خافت، ثم انفتح الدرج ببطء بوصة واحدة، ثم أخرى.
في الداخل، ملفوفة داخل كيس بقالة متفتت، كانت هناك علبة أحذية قديمة.
انهار الكرتون تقريبًا بين يديّ، تاركًا خلفه غبارًا كثيفًا ورائحة مطاط قديم.
داخل الصندوق كانت ثلاثة أشياء فقط دفتر ملاحظات متضرر من الماء يتقشر غلافه الأبيض والأسود، وشريط كاسيت متشقق كُتبت عليه ثلاث كلمات
شغّل عندما تمطر.
أما الشيء الثالث فكان صورة فوتوغرافية لصبي يرتدي سترة رمادية بقلنسوة، يضحك على شيء خارج إطار الصورة.
أخي.
لم ينشق العالم، ولم تصرخ السماء، وكان الصمت أثقل من أي ضجيج.
انهارت ركبتاي فجأة، وجلست على أرضية المخزن الخرسانية بينما امتزجت حولي رائحة العفن والغبار مع أثر عطر قديم خافت.
ارتجفت الصورة بين أصابعي.
وهمست أخيرًا
روبن.
مرّ عقدان كاملان منذ اللحظة التي خرج فيها من باب منزلنا الأمامي في باين بلاف، أركنساس، واختفى في مكانٍ ما بين درجات الشرفة المتصدعة وبلدةٍ لم يعترف أحد بوجودها على أي خريطة.
والآن أمسك بين يديّ مذكراته، مؤرخة بعد يومين فقط من اختفائه.
ولفهم سبب ارتعاش يديّ بهذا الشكل، ولماذا كان رد فعلي الأول هو الهروب، والثاني التمسك بذلك الدفتر كأنه طوق نجاة، يجب العودة عشرين عامًا إلى الوراء.
إلى مطبخنا الصغير في شارع ميرتل.
بدأ صباح الثاني عشر من مارس عام 1988 مثل أي يوم سبت عادي، بينما تومض الساعة البلاستيكية فوق الموقد بأرقام حمراء عند السابعة وثلاث دقائق بعد انقطاع الكهرباء طوال الليل.
انتشرت رائحة البيض والخبز المحمص في أرجاء المطبخ، ووقفت أمي كلودين غريغز أمام الموقد تشد رداءها حولها بإحكام وتقلب البيض المخفوق بعصبية كأن أحدًا أساء إليها.
بلغت الرابعة عشرة آنذاك، أتحرك بتوتر وأطرح الأسئلة بلا توقف، وأعبث بكتاب مدرسي فوق الطاولة دون أي نية حقيقية لقراءته.
انخفض صوت الراديو في الخلفية، وتسربت ترنيمة إنجيلية قديمة عبر التشويش، بينما حوّل رذاذ خفيف العالم خارج النافذة إلى لوحة باهتة مرسومة بقلم رصاص ناعم.
نزل روبن الدرج مرتديًا سترته الرمادية ذات القلنسوة وحذاء العمل المهترئ، الحذاء نفسه الذي يرتديه يوميًا في مطبعة واشبورن.
بلغ العشرين من عمره، أطول من أمي بقليل، نحيل القوام، يميل كتفاه إلى الداخل دائمًا كما لو أنه يحاول أن يحتل مساحة أصغر مما يحتاج.
قالت أمي دون أن تلتفت عن المقلاة
صباح الخير.
انحنى وقبّل خدها بخفة وقال
صباح الخير رائحتك جميلة.
ما أرعبني لاحقًا لم يكن الكلمات نفسها، بل الهدوء الغريب الذي استقر في صوته عندما قالها.
في تلك اللحظة لم أنتبه لشيء، فقد انشغلت بسرقة قطع من الخبز المحمص والقلق بشأن اختبار الرياضيات
في المدرسة.
سألته أمي وهي تقلب البيض
هل لديك عمل اليوم؟
أجاب وهو يجلس إلى الطاولة
لا يا سيدتي، لدي فقط شيء صغير أحتاج للاهتمام به، وسأعود قبل حلول الظلام.
نظر إليّ عندما قال ذلك، للحظة قصيرة جدًا.
امتلكت عيناه لونًا عسليًا باهتًا يتغير مع الطقس، وفي ذلك الصباح بدا اللون ناعمًا وصافيًا، مثل الهواء بعد عاصفة طويلة.
قالت أمي بإلحاح
إلى أين ستذهب؟
ابتسم تلك الابتسامة الصغيرة الملتوية التي لا تظهر أبدًا في الصور الرسمية وقال
لا مكان يا أمي مجرد جولة في الجوار. سأعود.
أنهى طعامه، غسل طبقه بعناية، وترك فنجان القهوة نصف ممتلئ فوق الطاولة.
لا يزال أثر ذلك الفنجان محفورًا في ذاكرتي بوضوح غريب، أكبر بكثير من صوت الباب الأمامي وهو يُفتح أو يُغلق.
نزل درجات الشرفة إلى الصباح الرمادي
ولم يعد إلى المنزل أبدًا.
بحلول الظهر كانت أمي قد نظفت المطبخ أربع مرات.
وبحلول الثالثة تحولت من تمتمة الأدعية إلى ترديد اسمه كاملًا بصوت خافت، وكأن ذكر الاسم نفسه قد يعيده من مكانٍ بعيد.
عند السابعة مساءً أضاءت مصباح الشرفة وجلسَت على الدرجات الأمامية، تضم ذراعيها حول جسدها بينما تراقب الطريق الفارغ.
عند منتصف الليل بدأت الاتصال بالمستشفيات.
وعند الثالثة صباحًا دخلت قسم شرطة باين بلاف مرتدية ثوب نومها ومعطف الكنيسة فوقه، ونعالها مبللة بالمطر، وشعرها مثبت بطريقة غير متناسقة.
طالبت بتسجيل بلاغ عن شخص مفقود.
رفع الضابط الأبيض خلف المكتب نظره إليها ببطء، وكأنها طلبت منه شيئًا غير معقول.
قال ببرود
كم عمره؟ عشرون؟ إذن هو رجل بالغ. ربما خرج ليهدأ قليلًا. دعيه يومًا أو يومين وسيعود جائعًا.
صفعت أمي صورة روبن فوق المكتب وقالت بحدة
ابني ليس حيوانًا ضالًا. لم يأخذ ملابس، ولا نقودًا، ولم يخبر أحدًا إلى أين ذهب. هناك خطب ما وأريد تقريرًا.
لم يُفتح تقرير حقيقي أبدًا.
دوّنوا اسمه في مكانٍ ما، وقالوا إنهم سيراقبون الوضع.
رأيت كتفي أمي يتصلبان أثناء عودتنا إلى المنزل في البرد، ورأيت ظهرها ينحني قليلًا تحت ثقل معرفة مؤلمة.
معرفة أن أحدًا ممن يفترض أن يساعدها لم يصدق حقًا أن ابنها في خطر.
في صباح اليوم التالي دخلت غرفة روبن لأستعير جهاز التسجيل الخاص به.
لم أستطع النوم، وظننت أن تسجيل صوت المطر قد يساعدني على التظاهر بأن كل شيء طبيعي.
امتلأت الغرفة برائحة نشارة أقلام الرصاص ومسحوق الغسيل، ومعها أثر عطر جديد بدأ روبن بتجربته مؤخرًا.
وضع جهاز التسجيل فوق المكتب، وعندما رفعته انزلقت ورقة مطوية من داخل دفتر الرسم الخاص به.
تجمدت أصابعي فورًا.
لم تحتوِ الورقة سوى سطرين مكتوبين بأحرف كبيرة وواضحة.
سأذهب إلى مكانٍ لا يستطيع أحد أن يتبعني إليه.
وإن لم أعد فهذا يعني أنني وجدته.
كررت أمي الجملة مرارًا عندما قرأت الرسالة.
وجدت ماذا يا روبن؟ ماذا وجدت؟
رفضت الاستسلام.
وضعت الرسالة داخل ظرف مع إحدى رسوماته رسم لبوابة خشبية في فسحة داخل غابة، كُتب أسفلها لا طرق لا ساعات.
حملت الظرف والرسم إلى مركز الشرطة وألقتهما فوق مكتب كل شخص مستعد للاستماع.
لكن معظمهم لم يفعل.
شخص واحد فقط استمع فعلًا.
المحقق دارنيل ماكجي، أحد الضباط السود القلائل في المقاطعة آنذاك، رجل طويل القامة بعينين متعبتين وخاتم زواج يحرّكه في إصبعه كلما تحدث عن قضية صعبة.
استمع لأمي باهتمام حقيقي، وأخذ الرسالة والرسم والصورة.
ثم سأل بهدوء
هل ذكر يومًا مكانًا يُسمى وادي الكبريت؟
ضاقت عينا أمي فور سماع الاسم.
كيف تعرف هذا؟
أخبرنا ماكجي أنه سمع القصة من قبل، من رجل مسن في دار رعاية قرب مقاطعة
ديشا، حكاية عن بلدة قيل إن المياه جرفتها واختفت.
بحث في الأمر حينها ولم يجد شيئًا رسميًا لا سجلات أراضٍ ولا ميثاق بلدة سوى علامة باهتة بقلم رصاص على خريطة مسح قديمة من أربعينيات القرن الماضي.
اسم واحد فقط
وادي الكبريت طريق غير معروف.
تعلقت أمي بذلك الاسم كما لو أنه حبل أُلقي في مياه مظلمة.
ومنذ ذلك اليوم بدأ اسم سلفور هولو يظهر في كل حديث، كظلٍ ثقيل يجلس معنا على المائدة.
قيل لنا إنها مجرد قصة.
قيل إنها خرافة قديمة.
وقال آخرون إن روبن هرب، ربما مع فتاة، ربما مع المخدرات، وربما فقط مع أفكاره.
هز الناس رؤوسهم وهمسوا خلف ظهورنا
وبعضهم ذكر كلمة انتحار بصوت خافت عندما ظنوا أننا لا نسمع.
فتح ماكجي بهدوء ملفًا يحمل اسم روبن، وكتب عبارة سلفور هولو في خانة الموضوع، ثم أغلق الملف ببطء كأن الحركة نفسها اعتراف بأن الإجابة ما تزال بعيدة، وبعدها بدأت السنوات تتراكم فوق تلك الصفحة.
الحزن لا يصل كعاصفة رعدية تهبط فجأة، بل يتسلل ببطء شديد، مثل ماء خفي يتسرب بين الشقوق حتى يمتلئ البيت كله دون أن يلاحظ أحد اللحظة التي بدأ فيها.
في البداية انحصر الأمر في الطريقة التي تركت بها أمي غرفة روبن كما هي تمامًا، دون أن تسمح لأي يد بلمس شيء واحد داخلها.
كانت تغسل ملاءاته كل يوم أحد بعناية، رغم أن السرير بقي فارغًا بلا جسد ينام عليه، ثم تعود لترتب الوسادة وكأن النوم سيعود إليها في المساء.
كانت تمسح رف كتبه بعناية وتعيد ترتيب دفاتره المدرسية الممزقة، تلك الدفاتر المليئة بالرسومات الغريبة وأنصاف الجمل التي بدت دائمًا وكأنها أفكار توقفت في منتصف الطريق.
كانت تضع بطاريات جديدة في مسجل الكاسيت الخاص به وتتركه فوق المكتب، وكأنها تتوقع في أي لحظة أن يُفتح الباب ويعود روبن ليضغط زر التسجيل ويكمل شيئًا بدأه.
كرهت تلك الغرفة منذ البداية، لأن الصمت بداخلها بدا أثقل من أي مكان آخر في البيت، وكأن الهواء نفسه ينتظر صوتًا معينًا يعرف الجميع أنه لن يأتي.
عندما تقاعد ماكجي عام 1994، بعد سنوات طويلة من الخدمة وحل عشرات القضايا، بقيت قضية واحدة فقط عالقة في ذهنه، قضية لم يغلقها ولم يستطع نسيانها.
أخذ ملف روبن معه إلى المنزل ووضعه داخل صندوق مقاوم للحريق أسفل سريره، خلف كتابه المقدس مباشرة، ثم أخبرني بذلك بعد سنوات وهو يقول بصوت هادئ هناك أشياء لا يتركها الإنسان خلفه.
بدأت ذاكرة أمي تتشقق ببطء في عام 2002، وظهرت العلامات الأولى في أشياء صغيرة بدت عادية في البداية، مثل ترك الموقد مشتعلاً أو وضع المفاتيح داخل المجمد.
وبحلول عام 2006 بدأ الأطباء يستخدمون كلمات ثقيلة مثل مرحلة مبكرة من الخرف وتطور الحالة وخطة الرعاية، كلمات طبية هادئة لا تشبه المرأة التي ربتني.
اختفت أرقام الهواتف من ذاكرتها أولاً، ثم التواريخ، ثم أسماء الجيران الذين عاشوا بجوارنا لسنوات، وبعدها بدأت الأشياء اليومية تختفي من أماكنها دون أن تتذكر أين وضعتها.
لكن شيئًا واحدًا فقط لم يتغير أبدًا داخل عقلها مهما تآكلت الذاكرة من حوله.
في كل يوم اثني عشر من مارس كانت تستيقظ مبكرًا وتنظر نحوي وتقول بثقة كاملة اليوم عيد ميلاد روبن، رغم أن عيد ميلاده الحقيقي كان في يوليو.
كان الثاني عشر من مارس ببساطة آخر يوم رأته فيه.
غيّر نسيانها شكل حياتنا بالكامل.
انتقلت إلى نورث ليتل روك، وتزوجت، ثم رزقت بابنة اسمها ميكاياه، طفلة ورثت عيون أخي الواسعة وعناده الصامت.
كبرت ميكاياه وهي تشير أحيانًا إلى الصورة المؤطرة في غرفة معيشة جدتها وتسأل بفضول طفولي بسيط من هذا الرجل يا جدتي؟
وكانت أمي
تجيب في كل مرة بوضوح نادر لا يظهر في كلامها غالبًا هذا ابني، هذا روبن خاصتي، لقد وجد شيئًا لم يستطع أحد غيره رؤيته.
في تلك السنوات اعتبرت
تم نسخ الرابط