تخيل أن تعثر على يوميات أخيك بعد عشرين عامًا من اختفائه… ثم تكتشف أنه لم يهرب ولم يمت

لمحة نيوز

عبر هاتفٍ معطل.
في الحادي عشر من مارس عام 1988، كتب روبن
أعتقد أن وادي الكبريت هو المكان الذي ذهب إليه أبي عندما لم يكن مستعدًا لمغادرتنا، لكن جسده لم يترك له خيارًا آخر.
ربما يكون الوادي رحمة.
مساحة صامتة بين القصص، حيث يمكن للحكايات غير المكتملة أن تستريح قليلًا قبل أن تختفي.
في الثاني عشر من مارس اليوم الذي غادر فيه المنزل كتب سطرًا واحدًا فقط
إذا فُتح الباب، فسأدخل.
في الرابع عشر من مارس، قرأتُ تلك التدوينة التي كنت قد قرأتها من قبل مرة واحدة فقط.
ثم قرأتها مجددًا، وهذه المرة كانت يداي ترتجفان.
كتب
ستظن أنني اختفيت، لكنني لم أفعل.
لقد تنحّيتُ جانبًا فقط.
في الفراغ لا يوجد ألم، ولا ساعات، ولا شعور بالذنب.
انتظرت أن يأتي أحدهم باحثًا عني، لكنني كنت أعلم أنه سيكون أنتِ يا فيل.
لطالما كنتِ أنتِ من تُصغي لما بين الكلمات.
أنا آسف لأنني تركتكِ.
لكنني لم أنسكِ أبدًا.
أحيانًا أرى أمي تشعل الشموع.
أرى أوتيس يستمع إلى الأسطوانات القديمة.
وأراكِ تطوين نجومًا ورقية كما كنا نفعل عندما كنا صغارًا.
هذه ليست أحلامًا.
إنها أصداء.
الفراغ يسمح لكِ بالمشاهدة دون لمس.
أتمنى لو أستطيع إخباركِ بكل هذا وجهًا لوجه.
لكن إن كنتِ تقرئين هذه الكلمات الآن، فهذا يعني أنكِ تابعتِ الخيط الذي تركته.
يعني أنكِ مستعدة للتخلي.
أنا لستُ تائهًا.
أنا فقط أنتظر.
لم يكن للصفحة الأخيرة تاريخ.
فقط رقم الصفحة، وجملة واحدة مكتوبة بقوة شديدة حتى ظهرت آثار الحروف على الورقة التالية.
ستعرفين متى يحين وقت العودة إلى المنزل.
كانت النقطة في نهاية الجملة مشوشة قليلًا، كما لو أن يده ترددت لحظة قبل أن يضعها.
أغلقتُ المفكرة ببطء ووضعتُ كفي فوق غلافها.
كان المصباح يطلق أزيزًا خفيفًا متقطعًا.
في الخارج، كانت حشرات الزيز تصرخ في الظلام
ثم صمتت فجأة، كما لو أن أحدهم ضغط زرًا خفيًا.
وبعد يومين فقط، توفيت أمي.
كانت تتلاشى ببطء على مر السنين، كأن الزمن يمحوها تدريجيًا. ذكرياتها تتفكك مثل دانتيل قديم مهترئ، خيوطه الرقيقة تنقطع واحدًا تلو الآخر دون ضجيج.
في بعض الأيام كانت تنظر إليّ طويلًا، ثم تبتسم كما لو أنها رأت الطفلة الصغيرة ذات الجوارب غير المتطابقة التي كنتها يومًا.
وفي
أيام أخرى كانت تناديني باسم والدتها، بصوت مرتبك، كأن الأزمنة اختلطت داخل رأسها، ولم تعد قادرة على معرفة أين يبدأ الماضي وأين ينتهي الحاضر.
وفي أيام كثيرة كانت تجلس ساعات طويلة أمام صورة روبن، تمرر إبهامها ببطء فوق الزجاج، وتتمتم بأدعية خافتة لم أستطع سماع كلماتها بوضوح.
لكن في الليلة التي تلت رحلتنا إلى الوادي وقراءتي الطويلة على طاولة المطبخ، كانت في حالة ذهنية صافية على نحو غير معتاد.
اتصلت بي لتخبرني أنها أشعلت شمعة من أجله.
قالت بصوت هادئ
من أجل طفليّ كليهما من أجل الطفل الذي في منزلي، والطفل الذي هناك بين الأشجار.
سألتها
أين تخرجين يا أمي؟
كنت أعرف الإجابة بالفعل، لكنني سألت رغم ذلك.
قالت بهدوء غريب
لقد وجده في ذلك المكان الهادئ المكان الذي لا توجد فيه ساعات.
ثم أضافت بعد لحظة صمت
اتركه هناك، هل تسمع؟ لا تعيده إلى هذا العالم الصاخب. بعض الأماكن ليست على الخرائط لسبب وجيه.
كانت تلك آخر محادثة حقيقية دارت بيننا.
توفيت قبل الفجر بقليل، جالسة على كرسيها الوثير، بينما كانت شمعتها لا تزال تومض بضوء خافت فوق الطاولة الصغيرة.
كانت صورة روبن مستقرة في حجرها.
يداها مطويتان بهدوء، ووجهها ساكن تمامًا، كمن دخل أخيرًا غرفة شعر فيها أن الضوء مناسب أخيرًا.
عندما اتصلوا بي ليخبروني، لم أبكِ.
جلست على حافة سريري، والمذكرات مستلقية على منضدة السرير بجواري.
ثم همست بصوت خافت
إنه ينتظرك يا أمي.
خارج نافذتي، صرخت حشرة زيز واحدة في الظلام مرة واحدة فقط ثم توقفت.
عدنا إلى الساحة مرة أخرى.
هذه المرة جاء أوتيس معنا.
أحضر كاميرا الفيديو الخاصة به، كاميرا قديمة بعين زجاجية باردة وضوء تسجيل أحمر عنيد لا يتوقف عن الوميض.
وحمل حقيبة ظهر ممتلئة بزجاجات الماء والسندويشات وكمية واضحة من التوتر العصبي.
كان المسار أسهل في المرة الثانية، وكأن الغابة بدأت تتذكر وقع أقدامنا.
في اليوم السابق كان ماكجي قد خرج إلى المسار حاملاً منجلًا، وربط شرائط من القماش الأحمر على الأغصان كل عدة أمتار.
لم يعلق أحد منا على حقيقة أن القماش بدأ يفقد لونه بسرعة غير طبيعية.
كان الأمر يبدو وكأن الأشجار نفسها تمتص اللون ببطء.
كان الهواء داخل الحوض لا يزال غير طبيعي.
لكنني
بدأت أعتاد هذا الخلل الغريب.
كان الإحساس مألوفًا تقريبًا كالفاصل الصامت بين الشهيق والزفير.
كان الحجر الذي يحمل الأحرف الأولى من اسم روبن ينتظرنا تحت شجرة البلوط الكبيرة.
أما قطعة قماش السترة الرمادية فكانت لا تزال ملقاة حيث تركتها آخر مرة.
كانت رطبة قليلًا لكنها لم تتغير.
وعند قاعدة الحجر، كانت تميمة الصلاة الفضية الرقيقة الخاصة بكلودين قطعة مجوهراتها الحقيقية الوحيدة تلمع بخفوت.
وضعتها هناك بعد وفاتها.
وكأنها تركت جزءًا صغيرًا منها ليبقى هنا.
همس أوتيس وهو يحرك الكاميرا ببطء، وعينه تتابع المكان عبر العدسة
هذا هو المكان؟ هذا هو المكان الذي غادره؟
نظر ماكجي إلى الأشجار الكثيفة حولنا ثم قال بهدوء
لا أعتقد أنه مات هنا. أعتقد أنه ببساطة اختار طريقًا آخر.
لمستُ بقايا القوس الحجري بطرف أصابعي وقلت
المشكلة أنه لا توجد طرق هنا. هذه هي الفكرة.
أخرجتُ مذكرات روبن من حقيبتي. كانت داخل علبة بلاستيكية شفافة، ملفوفة بقميص قديم. بقيت ممسكة بها لحظة طويلة، أفرك بإبهامي حافة الغلاف المهترئة.
قلت أخيرًا
مكانها هنا.
ركعت بجوار الحجر وبدأت أحفر بيدي في التربة. كانت باردة وناعمة بشكل غريب، كأن أحدًا قلبها قبلنا بوقت قصير.
ناولني أوتيس سكين جيبه. استخدمت طرفه لفك الجذور الصغيرة ووسعت الحفرة قليلًا حتى أصبحت كافية لوضع الحقيبة.
وضعنا المذكرات داخل الأرض.
بكل ما فيها من كلمات ورسومات وأسئلة.
بكل الحبر الذي حاول روبن من خلاله أن يشرح ما كان يراه.
غطيناها بالتراب ببطء.
استقرت الأرض فوقها بهدوء وكأنها تنهدت.
مسحت يديّ في بنطالي الجينز، ثم أمسكت السكين ونظرت إلى الحجر.
على جانبه الأملس بدأت أنحت.
جاءت الحروف ببطء، غير متساوية، لكنني واصلت حتى اكتملت.
VLG
2008
فالينا إل. غريغز.
العام الذي توقفت فيه أخيرًا عن الوقوف على حافة مدينة اختفت ثم رحلت.
تراجعت خطوة إلى الخلف.
الآن أصبح الحجر يحمل اسمينا معًا.
يفصل بينهما عقدان من الزمن، لكنهما محفوران في نفس الصخر.
مرت نسمة خفيفة على وجهي.
وللحظة، حمل الهواء رائحة غريبة مزيج من الزنابق ودخان السجائر وشموع القرفة، مع شيء آخر لم أستطع تسميته.
رفع أوتيس الكاميرا وضبط الإطار بصمت.
ثم قال
سيظن الناس أننا
اخترعنا كل هذا. سيقولون إنها مجرد قصة ألفناها لليوتيوب.
رد ماكجي دون أن يبعد عينيه عن الغابة
دعهم يعتقدون ذلك. ربما ليست كل الأشياء قابلة للشرح.
وفي طريق عودتنا بدأت السماء تمطر.
وصلت الرسالة بعد ثلاثة أيام.
لم يكن عليها طابع بريدي.
ولا اسم مرسل.
فقط اسمي مكتوب بخط مائل بدا وكأنه يحمل شيئًا أكثر من مجرد كلمات.
داخل الظرف وجدت قطعة مربعة من الرق.
كانت سميكة وناعمة، وحوافها داكنة قليلًا كأنها اقتربت من النار.
في وسطها كُتبت ثماني كلمات بخط روبن الواضح
لم تكن المدينة بحاجة إلى خريطة.
كل ما كانت تحتاجه هو الذاكرة.
ضحكت.
ليس لأن الجملة مضحكة، بل لأنها تشبهه تمامًا.
نصف مزحة.
نصف فكرة عميقة.
وكلها صادقة.
وضعت الرق داخل كتاب أمي القديم، بين الصفحات التي كانت تخبئ فيها الأشياء التي لم تستطع قولها بصوت مرتفع.
في بعض الليالي، عندما يسكن المنزل وتبدأ حشرات الزيز بالصياح في الخارج، أقف عند نافذة المطبخ وأصغي.
أحيانًا أقسم أنني أسمع طنينًا خفيفًا، لحظة قصيرة فقط، يتداخل مع صوت الثلاجة ودقات الساعة.
لم أعد أبحث عن سلفور هولو على الخرائط.
لقد فهمت الآن.
ليست مكانًا يمكن تحديده بإحداثيات.
إنها لحظة.
لحظة يضغط فيها الحزن والحب والذكرى على العالم بقوة حتى يفتح فيه شق صغير.
بعض الناس يجدون هذا الشق بين الأشجار في غابة.
وآخرون يلمحونه عند حافة هاتف لم يعد يرن.
وبعضهم يشعر به عند باب منزل كان من المفترض أن يقف عنده شخص لكنه لم يعد هناك.
دخل أخي من إحدى تلك اللحظات قبل عشرين عامًا.
ولوقت طويل حاولت مطاردته، محاوِلة إعادته إلى هذا الجانب من العالم.
العالم الذي يملك شوارع وأسماء وعناوين وملفات عن مفقودين لا تنتهي.
الآن لم أعد أطارده.
الآن أنا فقط أتذكره.
وفي التذكر، تبقى تلك المدينة التي لا وجود لها حية.
ليس على الورق.
وليس على أي خريطة.
بل في الفراغ الصغير بين جيل وآخر.
أحيانًا تسألني ابنتي
أمي أين تعتقدين أن العم روبن الآن؟
أفكر قليلًا، ثم أجيبها
أعتقد أنه في مكان هادئ مكان لا توجد فيه ساعات.
لا طرق.
فقط الوادي.
وأظن أنه، أحيانًا، عندما تمطر يستمع إلينا بالطريقة التي نستمع بها إليه.
تميل برأسها قليلًا، كأنها تحاول سماع شيء بعيد.
نقف معًا
عند النافذة.
نراقب المطر وهو يحول الشارع إلى مرآة متموجة.
وللحظة قصيرة أقسم أنني أسمعه.
صوت قلم يخدش ورقًا رطبًا.
في مكان ما خارج حدود ما تتذكره هذه المدينة.

تم نسخ الرابط