تخيل أن تعثر على يوميات أخيك بعد عشرين عامًا من اختفائه… ثم تكتشف أنه لم يهرب ولم يمت

لمحة نيوز

غريبًا في الهواء الفارغ.
حفرت أصابعي أكثر في الطين حول النقش، حتى ظهرت كلمات أخرى محفورة أسفل الأحرف.
ستعرف متى يحين وقت العودة إلى المنزل.
امتلأت عيناي بالدموع.
وضعت كفي فوق الحجر، فوق الأحرف الأولى من اسمه، بينما كان الطحلب رطبًا باردًا، لكن الحجر نفسه بدا دافئًا بشكل غير طبيعي.
حينها لمحت شيئًا عالقًا عند حافة الصخرة.
قطعة قماش.
سحبتها ببطء، فانفصلت وظهرت ككم ممزق من سترة بقلنسوة رمادية، قديمة وممزقة وملطخة بآثار الزمن.
لم أكن بحاجة إلى أحد ليخبرني لمن كانت.
بدأت أبكي.
لم يكن بكاءً حادًا، بل عميقًا وهادئًا، كما لو أن شيئًا ثقيلًا تحرك أخيرًا في صدري بعد سنوات طويلة.
وقف ماكجي على بعد خطوات وأدار وجهه ليمنحني مساحة.
قلت أخيرًا وأنا أمسح دموعي إن أخي لم يختف فجأة، بل عبر شيئًا ما هنا في هذا المكان.
أومأ ماكجي ببطء.
قال إن أمي جاءت إلى مكتبه في ظهيرة عام 1988، ترتجف بشدة حتى إنها بالكاد استطاعت حمل حقيبتها.
قالت له يومها إنها تعرف أن ابنها لم يرحل، بل وجد مكانًا لا تستطيع الوصول إليه بعد.
قال ماكجي إنه اعتقد حينها أنها تنكر الحقيقة.
لكن وهو يقف هنا الآن لم يعد متأكدًا من ذلك.
تلاشت الجملة في الهواء.
دوى الرعد من بعيد مرة أخرى.
لكن هذه المرة كان أقرب.
قال إن علينا العودة قبل أن تصل العاصفة.
قلت أعطني دقيقة واحدة فقط.
جلست على الأرض، الحجر بين يدي، وقطعة القماش في الأخرى، والمذكرات مفتوحة فوق ركبتي.
وللمرة الأولى منذ عشرين عامًا لم أشعر أنني أطارد سرابًا.
شعرت أنني أقف أمام الشيء الذي أخذ أخي.
لم يبدُ شريرًا.
ولم يبدُ طيبًا أيضًا.
بل بدا قديمًا وغير مبالٍ.
كصدع في العالم كان موجودًا قبلنا بزمن طويل، وسيظل موجودًا بعدنا بزمن أطول.
وعندما بدأنا العودة عبر الغابة، انفجر صوت حشرات الزيز فجأة من كل اتجاه.
ضربنا الصوت مثل موجة.
لحظة صمت.
ثم جوقة صاخبة متعددة الطبقات ارتفعت حولنا حتى شعرت أن الأرض نفسها تصرخ.
صرخ ماكجي وسط الضجيج قائلاً إن الغابة أطلقت زفيرها أخيرًا.
ولم أكن متأكدًا إن كان يقصد ذلك حرفيًا أم مجازًا.
عند عودتي إلى المدينة عادت الحياة إلى روتينها المعتاد، موقف سيارات البقالة مزدحم كالمعتاد، والأطفال يقودون دراجاتهم في الشارع، والقس يقف عند الزاوية بحذائه اللامع، بينما بدا كل شيء مألوفًا وباهتًا كأنه مجرد ورق جدران يغطي بابًا مغلقًا.
اتصلت بأوتيس فور وصولي إلى المنزل، ووقفت في مطبخي بينما كانت الأوساخ لا تزال عالقة تحت أظافري، ثم قلت له بصوت متوتر إننا وجدنا المكان أخيرًا، التجويف، البوابة، والحجر الذي يحمل الأحرف الأولى من اسم روبن.
قلت له إن الحروف كانت محفورة بوضوح على الحجر، وكأن روبن ترك علامة ليعرف أننا سنصل يومًا ما، أو ربما لأن شخصًا آخر أراد أن نتبع ذلك الأثر.
صمت أوتيس لبرهة طويلة قبل أن يطلق زفيرًا بدا وكأنه ضحكة قصيرة أو ربما نحيبًا مكبوتًا، ثم قال إنه صدق روبن طوال تلك السنوات، لكنه لم يعرف أبدًا ماذا يفعل بتلك القصة.
أخبرته بكل شيء؛ المذكرات، الشريط، والرجل الذي يرتدي الرداء الأبيض، وأخبرته أيضًا عن الشعور الغريب الذي يملأ الهواء هناك، وعن كمّ سترة روبن الذي كان يخرج من التراب وكأنه ينتظر من يسحبه.
قال أوتيس بعد لحظة صمت إن روبن أخبره مرة أن الوادي لم يكن مجرد مكان يمكن الوصول إليه، بل لحظة يمكن العبور إليها.
أجبته بهدوء أجل، أتذكر ذلك.
قال أوتيس بصوت خافت إنه يعتقد الآن أن روبن لم يكن يمزح عندما قال ذلك.
كان للرجل المذكور في مذكرات روبن
عدة أسماء، ففي بعض الصفحات كان يطلق عليه الرجل ذو الرداء الأبيض، وفي صفحات أخرى سماه واعظ العتبة.
وفي مرات قليلة كان روبن يكتفي بحرف واحد فقط، يكتب ببساطة أ.
رسمه روبن مرات كثيرة في الصفحات الأخيرة من دفتر ملاحظاته، طويل القامة ونحيل، يرتدي بدلة بيضاء ناصعة لا يظهر عليها أي تجعد.
أحيانًا كان يحمل حقيبة، وأحيانًا أخرى كان يمسك إنجيلًا جلديًا مهترئًا، لكن في كل رسم تقريبًا كان وجهه غير واضح.
إما ملتفت بعيدًا، أو غارقًا في الظل، أو بلا ملامح تمامًا.
كتب روبن في إحدى الصفحات أنه رآه مرة أخرى عند سور الكنيسة، وأضاف أن الطيور لا تغرد عندما يكون قريبًا، وأن الأرض لا تترك أي أثر لقدميه.
ثم كتب جملة قصيرة أخرى قال فيها إن الرجل أخبره أن المكان بين الأماكن أصبح قريبًا جدًا.
في صفحة أخرى كانت هناك قصاصة صحيفة قديمة مثبتة بشريط لاصق أصفر باهت، تتحدث عن نهضة دينية حدثت عام 1952.
فوق اسم الواعظ في المقالة كتب روبن بخط يده في الهامش جملة قصيرة تقول نفس الرجل دائمًا بالقرب من الماء.
أخذت القصاصة إلى ماكجي، وقمنا بمسحها ضوئيًا على طابعته القديمة، ثم عدلنا التباين حتى أصبحت الصورة أكثر وضوحًا.
كان الرجل في الصورة ضبابيًا قليلًا، لكنه يقف مرتديًا بدلة داكنة ويرفع يديه أثناء الخطبة، ووجهه متجه إلى الأعلى.
لكن شيئًا في زاوية كتفيه، وفي الطريقة التي يميل بها رأسه، جعل الصورة تشبه رسومات روبن بشكل مقلق.
قال ماكجي مترددًا إنه إذا كان ألينس غلي الذي ظهر عام 1952 هو نفسه الرجل الذي ظهر في قصة أخي.
قاطعته فورًا وقلت إن الأمر لا يمكن أن يكون مصادفة، لأن روبن لم يكن يخترع هذه الأشياء من العدم.
لم يكن هناك سوى مكان واحد في المدينة يمكن أن نجد فيه من يتذكر واعظًا من نصف قرن مضى.
كانت كنيسة جبل كالڤاري تقع بين قطعة أرض خالية ومتجر خمور مهجور في ليتل روك، وكان الطلاء يتقشر عن جدرانها الخشبية القديمة.
أما برج الكنيسة فكان مائلًا قليلًا إلى اليسار، وكأنه يصغي بصمت لما يحدث حوله.
ومع ذلك كانت الأبواب مفتوحة، والموسيقى القادمة من الداخل تنبض بالحياة.
استقبلتنا امرأة ترتدي غطاء رأس بلون الخزامى عند الدرج، وكانت عيناها بلون الشوكولاتة الداكنة، حادتين ومتعبتين في الوقت نفسه.
سألتنا إن كنا جئنا من أجل الجوقة أو من أجل مخزن المؤن.
قلت لها إننا لم نأت من أجل أي منهما، بل نبحث عن أمر قديم يتعلق بواعظ يدعى ألينس غلي.
تصلب وجهها فور سماع الاسم، واختفى الدفء من تعبيرها.
قالت ببرود إن هذا الاسم لا يُنطق داخل هذا المبنى.
رفع ماكجي يديه محاولًا تهدئة الموقف، وقال إننا لسنا هنا لإثارة المشاكل، بل نحاول فقط معرفة ما إذا كان أحد قد رأى رجلًا طويلًا يرتدي بدلة بيضاء.
لكنها قاطعته قبل أن ينهي كلامه، وقالت إن الرجل يظهر عادة بالقرب من الماء، أو عند السياج، أو تحت مصباح الشارع قبل بدء الخدمة.
ثم أضافت بصوت منخفض أنه لا يترك آثار أقدام، ولا يصدر صوتًا عندما يتحرك.
قلت لها إنني رأيته بالفعل.
أومأت برأسها مرة واحدة وقالت إن أول مرة رأته كانت عندما كانت في الثامنة من عمرها.
قالت إن جدتها أمسكت وجهها يومها وأدارته بعيدًا وقالت لها ألا تنظر إلى ذلك الرجل لأنه رسول لشخص آخر.
وأضافت أن القس أخبرهم لاحقًا أنه مجرد متجول عابر.
لكنها قالت إن المتجولين يسيرون في الطرق، أما هذا الرجل فهو فقط يظهر فجأة.
دائمًا يقف في الخارج.
ودائمًا يراقب.
لكنه لا يدخل أبدًا.
ثم عادت إلى المدخل وقالت
إن أمها كانت تقول إن هذا الرجل يتبع أولئك الذين
لا يستطيعون دفن موتاهم بسلام.
شكرناها وغادرنا المكان.
وعندما وقفت على الرصيف شعرت بنظرات تلاحقني من خلفي.
لكن عندما التفت لم يكن هناك أحد.
فقط ضوء مصباح شارع خافت يلمع في وضح النهار.
في تلك الليلة، بعد أن نامت ميكاياه وساد الهدوء في المنزل، أخرجت صندوقًا معدنيًا صغيرًا مقفلًا من الجزء الخلفي من خزانة ملابسي.
كان بداخله أشياء وعدت نفسي أنني لن أحتاجها مجددًا.
رسالة كتبتها إلى روبن عندما كنت في العاشرة أعتذر فيها عن كسر شريط الكاسيت الخاص به وأعده بشراء آخر عندما أصبح ثرية.
وقلادة مكسورة أهداني إياها عندما كنت في الثانية عشرة.
وقطعة بلاستيكية صغيرة من هاتف عمومي كنا نلعب بها لعبة التظاهر.
كانت القطعة المعدنية تحمل نقش جرس صغير على أحد وجهيها، وهو شعار شركة توقفت عن العمل منذ زمن طويل.
أدرت القطعة بين أصابعي وأنا أفكر في رسومات روبن لهواتف عمومية وقنوات تصريف المياه.
في إحدى الرسومات كان قد رسم كشك هاتف يقف في خندق غمرته المياه حتى مستوى الكاحل.
وكتب تحت الرسم عنوان المكان شارع ووتر وتقاطع ينابيع غايفر.
كما رسم الرجل الذي يرتدي الأبيض متكئًا على إطار الكشك، ورأسه مائل كأنه يستمع إلى شيء.
أدخلت اسم الشارعين في خريطة إلكترونية، فظهر التقاطع بعد ثوانٍ قليلة.
لم يعد هناك هاتف عمومي بالطبع.
فزمن الهواتف العمومية انتهى منذ زمن.
مثل زمن أشرطة الكاسيت.
ومثل زمن الاعتقاد بأن الشرطة ستهتم باختفاء صبي أسود يحب الرسم.
لكن المبنى المجاور للتقاطع، مغسلة ملابس مغلقة بنوافذ موصدة، كان لا يزال قائمًا.
في صباح اليوم التالي كانت السماء رمادية قاتمة كما كانت يوم رحيل روبن.
ومع ذلك قدت السيارة إلى التقاطع.
أخبرت نفسي أنني فقط أتفقد المكان.
ولا أتوقع أي شيء.
بالتأكيد لم أتوقع أن يتصل بي أخي الميت من هاتف لم يعد موجودًا.
كانت البلاطة الخرسانية التي كان يقف عليها الكشك لا تزال في مكانها، قطعة مستطيلة من الرصيف تغير لونها بالقرب من حافة الطريق.
أما المسامير المعدنية التي كانت تثبت الهيكل فقد أصبحت جذوعًا صدئة.
وقفت فوق البلاطة ويداي في جيوب سترتي، أشعر ببعض الغباء وبالكثير من العناد.
قلت بصوت مرتفع ضاع بين ضجيج السيارات إن على روبن أن يجعل هذا الأمر يستحق ثمن الوقود إن كان يريدني هنا.
وفجأة رن هاتفي.
لم تكن نغمة الرنين التي أعرفها.
كان صوتًا عاليًا وواضحًا، مثل جرس صغير يُقرع تحت الماء.
بقيت الشاشة سوداء.
لا اسم متصل.
ولا رقم.
فقط اهتزاز في يدي وذلك الصوت الغريب.
أجبت المكالمة.
قلت مرحبًا؟
للحظة لم يكن هناك شيء.
ثم ظهر تشويش خفيف يشبه بداية شريط قديم.
ثم أزيز طويل.
لم تكن كلمات.
ولا لحنًا واضحًا.
بل نغمة منخفضة مألوفة، مألوفة بالطريقة التي تكون بها روائح الطفولة مألوفة.
عندها تذكرت.
كان روبن يهمهم هذا اللحن عندما لا يستطيع النوم.
وكان يهمهمه وهو مستلقٍ على ظهره فوق السطح يراقب النجوم.
وكان يهمهمه عندما يشعر بالملل ويرسم على هوامش دفاتره.
وكان يهمهمه أيضًا ليلة وفاة أبي، وهو مستلقٍ على أرضية غرفته في الظلام.
انحنت ركبتاي وسقطت على حافة البلاطة الخرسانية بينما كان الهاتف ملتصقًا بأذني.
استمر الطنين نحو ثلاثين ثانية.
ثم توقف.
وانقطع الاتصال.
جلست أبكي في ظل كشك هاتف لم يعد موجودًا، بينما كان المارة يمرون مسرعين في طريقهم إلى أعمالهم غير مدركين لما يحدث حولهم.
وفي الجهة الأخرى من المدينة، وفي اللحظة نفسها تقريبًا، فتح ماكجي باب منزله الأمامي ليأخذ جريدته الصباحية.
فوجد ظرفًا موضوعًا على عتبة
الباب.
لم يكن عليه طابع بريدي.
ولا عنوان مرسل.
فقط اسمه مكتوبًا بخط يد أنيق غير مألوف.
فتح الظرف.
وفي داخله كانت قطعة من ورق سميك ممزقة مما بدا أنه صفحة من الكتاب المقدس.
وكانت هناك سبع كلمات مكتوبة بالحبر الأحمر بخط مائل يشبه خط روبن.
لكن ليس خطه تمامًا.
كانت الجملة تقول
أخبري فالينا أنه لم يكن وحيدًا أبدًا.
يعود الحزن أقوى عندما يحصل على معلومات جديدة.
لعشرين عامًا، كان حزني أشبه بحفرة في الأرض، فراغًا عميقًا، بابًا أُغلق بقوة حتى اختفى داخل الجدار. بعد الغابة والمكالمة الهاتفية والظرف، تغيّر شكل حزني أخيرًا.
لم يختفِ الثقل. لم يصبح أخف. لكنه لم يعد حفرة مظلمة بلا نهاية.
تحول ببطء إلى مدخلٍ موارب، بابٍ نصف مفتوح يقود إلى شيءٍ لا أستطيع رؤيته بعد، لكنني أعلم أنه موجود هناك، ينتظر بصمت.
في تلك الليلة، جلستُ إلى طاولة مطبخ أمي القديمة داخل منزلها في شارع ميرتل، ومذكراتي مفتوحة تحت ضوء المصباح الأصفر، بينما ظلّ باقي المنزل غارقًا في ظلام هادئ.
كان الهواء يحمل رائحة خفيفة مألوفة، مزيجًا من ملمع الأثاث القديم وشموع القرفة التي اعتادت أمي إشعالها صباح كل أحد، حتى بعد أن توقف أحد عن زيارة المنزل.
حتى تلك اللحظة، كنتُ أتصفح كتابات روبن الأخيرة بسرعة وحذر، كمن يلمس جرحًا قديمًا. أخاف مما قد أجده، وأشعر بثقل ما أعرفه بالفعل.
لكن في تلك الليلة، قرأتها ببطء شديد.
من الغلاف إلى الغلاف.
كما لو أن الصفحات رسائل متأخرة، وصلتني أخيرًا بعد أن ظلت تائهة بين السنوات والعقود.
كانت مذكراته القديمة مجرد خواطر غير مكتملة، ورسومات عشوائية، ومقتطفات من محادثات قصيرة، وقوائم مشتريات غريبة تختلط برسومات لأيدٍ وبوابات ووجوه بلا تعبير واضح.
لكن ابتداءً من الأول من مارس عام 1988، حدث شيء ما.
استقر خطه فجأة.
وتحوّلت تلك الخواطر المتناثرة إلى جمل كاملة، كما لو أن فكرة واضحة أخيرًا وجدت طريقها إلى رأسه.
كتب في الثالث من مارس
أعلم أن هذا سيكون صعب التصديق. ربما ستظنون أنني فقدت عقلي. لكنني أريدكم أن تعلموا أنني لم أكن يومًا أكثر وعيًا ويقظة.
تحدث عن ضغط دائم في صدره لا يختفي حتى أثناء نومه، وعن شعور غريب بأن العالم مليء بشقوق خفية، وأنه بدأ أخيرًا يلاحظ أماكنها.
ثم كتب عن رؤيته للرجل ذي الرداء الأبيض ألينس للمرة الأولى قرب خط السكة الحديد.
كتب روبن
إنه لا يحرك قدميه. إنه فقط موجود حيث يقف. وعندما ينظر إليك، تتذكر أشياء. ليست ذكريات منسية، بل ذكريات أعاد أحدهم ترتيبها لتراها من الخارج.
وصف رائحة الزنابق الثقيلة في الهواء.
ووصف الصمت الذي خيّم على الطيور عندما ظهر الرجل.
وقال إن الظلال بدت أكثر كثافة حول المكان الذي كان يقف فيه.
في العاشر من مارس، كتب
قال لي إن الفراغ ليس مدينة، بل لحظة. لحظة يمكنك أن تدخلها إن كنت منتبهًا بما يكفي.
قال إن بعض الناس يعثرون عليه صدفة عندما يثقل الحزن كاهلهم، عندما يقفون ساكنين على حافة ألم قديم وينصتون جيدًا لما يحدث داخلهم.
ثم كتب جملة واحدة جعلتني أتوقف عن القراءة للحظة
قال إنني أنصت منذ وفاة أبي.
أبي.
حتى الآن، بعد كل تلك السنوات، لا تزال الكلمة تحمل وزنًا ثقيلًا داخل صدري.
توفي والدنا عام 1983 إثر نوبة قلبية داخل شاحنة مستعارة على الطريق السريع رقم 11.
كان وحده تمامًا عندما حدث ذلك.
اضطر روبن، وكان في السابعة عشرة فقط، بوجهه الرقيق وعينيه القلقتين، إلى الذهاب إلى المشرحة للتعرف على الجثة لأن أمي لم تستطع الوقوف دون أن ترتجف.
عاد إلى المنزل من تلك الغرفة المعقمة
أصغر مما كان.
كما لو أن العالم ابتلع منه جزءًا ولم يكلف نفسه حتى بإعادته.
جلس على سطح المنزل تلك الليلة، يحدق في الفراغ الطويل أمامه، ويدندن لحنًا غريبًا سيصلني بعد سنوات طويلة
تم نسخ الرابط