أربعين سنة وأنا كل أسبوع بروح أزور تلات قبور

لمحة نيوز

أربعين سنة وأنا كل أسبوع بروح أزور تلات قبور مافيهاش جثامين. أقف قدامهم وأقرأ الفاتحة وأقنع نفسي إن مراتي وولادي راحوا وإن النهر أخدهم من غير ما يسيب لي حتى فرصة أودعهم. أربعين سنة وأنا مقتنع إنهم ماتوا. لحد اليوم اللي قررت فيه أفضي أوضة بنتي قبل ما أبيع البيت. وأنا برفع مرتبة سريرها، لقيت ظرف صغير مستخبي تحتها. أول ما شفت خط الإيد اللي عليه، حسيت إن قلبي وقف ولما فتحت الرسالة وقريت أول سطر. عرفت إن الأربعين سنة اللي فاتوا كانوا أكبر كذبة عشتها في حياتي.
بعد مرور أربعين سنة على اليوم اللي خرجت فيه مراتي مع ولادنا في زيارة قصيرة واختفت من غير أي أثر لقيت صندوقًا صغيرًا مستخبي جوّه مرتبة سرير بنتي.
أول سطر في الرسالة اللي كانت جواه خلّى الدم يتجمد في عروقي.
يا عاصم لو الرسالة دي وصلت لإيدك، يبقى أكيد حصل لي حاجة. اقرا كل كلمة كويس وما تثقش في أحتي.
أربعين سنة كاملة وأنا عايش على يقين إن مراتي وولادي ماتوا في النهر وأني خلاص استسلمت للحقيقة اللي قالتها الشرطة ورضيت بالحكم اللي كتبته الدنيا عليّا، لكن في اللحظة دي وأنا ماسك الورقة بإيد بترتعش، فهمت إن الحقيقة ما كانتش مدفونة في قاع النهر ولا بين ملفات القضية ولا في شهادات الشهود الحقيقة كانت مدفونة جوّه بيتي طول السنين دي كلها ومستنية اليوم اللي أوصل لها.
الغريب إن صباح اليوم ده بدأ عادي جدًا، كأنه واحد من آلاف الأيام اللي عدّوا عليّ من بعد اختفائهم.
صحيت بدري، أخدت دوا الضغط وقعدت أبص في البيت اللي بقى أوسع من قدرتي على احتماله وكل ركن فيه كان بيفكرني بحد راح ومارجعش، لحد ما سمعت جرس الباب ولما فتحته

لقيت ابن أخويا يوسف واقف، شايل اتناشر كرتونة فاضية وباين على وشه إنه فقد الأمل في إني أغيّر رأيي.
دخل وهو بيحط الكراتين على الأرض وبصلي بعتاب ما حاولش يخبيه وقال
يا عمي عاصم إنت قعدت واقع على أرضية المطبخ تلات ساعات قبل ما حد يوصلك.
ابتسمت ابتسامة مرهقة وقلت وأنا بحاول أقلل من اللي حصل
ساعتين ونص بس.
هز راسه وقال وهو بيبصلي بنظرة كلها خوف عليّا
تصحيحك ده هو أكبر دليل إنك ما ينفعش تعيش لوحدك.
زفرت بهدوء وقلت
رجلي زلقت.
رد من غير ما يديني فرصة أهرب من الحقيقة
وزلقتك دي خلتك ما تقدرش توصل للموبايل والدكتور قال بنفسه إن المرة الجاية ممكن تفضل واقع لحد الصبح وساعتها يمكن ما يبقاش فيه حد يلحقك.
سكت لأن الحقيقة المرة كانت إنه معاه حق.
كان عندي تلاتة وسبعين سنة وجسمي بقى أضعف من إنه يقاوم الوحدة، لكن قلبي كان لسه متعلق ببيت خرجت منه مراتي وولادي من أربعين سنة وما رجعوش له أبدًا.
يوسف بقاله سنين يحاول يقنعني أبيع البيت وأروح أعيش معاه وأنا كل مرة كنت أرفض، مش عشان الحيطان ليها قيمة، لكن لأن البيت ده كان آخر مكان سمع ضحكتهم وآخر مكان جريت فيه خطواتهم وآخر باب اتقفل وراهم وهم خارجين وقالوا لي راجعين بعد كام يوم.
وفي اليوم ده وافقت.
لكن بشرط واحد بصيت له وقلت بجدية
ولا ورقة ولا لعبة ولا أي حاجة في البيت تترمي من غير إذني.
ضحك وهو بيرفع أول كرتونة وقالإنت لسه محتفظ بفواتير من سنة ١٩٨٩.
ابتسمت ابتسامة باهتة وقلت وأنا ببص ناحية الدولاب القديم
الورق ذاكرته أقوى من البشر.
هز كتفه وهو بيقول
طيب نبدأ منين؟
قلت من غير لحظة تردد
من أوضة
مصطفى.

فتحت الباب وكأني بفتحه لأول مرة، رغم إني كنت بدخله كل يوم، لكن من غير ما ألمس حاجة.
كان مصطفى عنده ست سنين يوم اختفى والعربيات الصغيرة لسه مرصوصة فوق الرف بنفس النظام اللي كان بيزعل لو حد غيره بوظه والبطانية الزرقا متنية عند طرف السرير، كأنها مستنياه يرجع آخر النهار، يرمي شنطته ويستخبى تحتها وهو بيضحك.
مشيت ناحية الكومود وخدت الساعة الفضية اللي كانت جنب الأباجورة ولفّيت مفتاحها وبعدها قربتها من ودني، فسمعت صوت التكتكة لسه شغال، كأن الزمن هو اللي وقف مش الساعة.
يوسف كان بيتابعني في هدوء وبعد لحظة سأل
هي لسه شغالة؟
قلت وأنا ببص للعقارب
بتتأخر أربع دقايق كل يوم.
ابتسم وقال
طب طالما بايظة ليه كل شوية تظبطها؟
فضلت أبص لها شوية وبعدها حطيتها في جيبي وقلت بصوت خرج مني بصعوبة
عشان مصطفى كان بيزعل جدًا لما كانت توقف وكان كل ليلة يقولي يا بابا، خليك مصحيها عشان تعرف تصحيني الصبح.
بلع يوسف ريقه وسكت.
وقفلنا أوضة مصطفى ودخلنا أوضة مريم.
كانت عندها تسع سنين لما اختفت وكانت تقعد بالساعات تخيط فساتين صغيرة لعرايسها وكل غرزة كانت تطلع ميلة، لأنها كانت تشد الخيط زيادة عن اللزوم وكل ما أمها تضحك عليها، كانت ترفع راسها بفخر وتقول إنها لما تكبر هتبقى أشهر مصممة فساتين في البلد.
بيت العرايس اللي صنعته بإيديها كان لسه واقف جنب الشباك وبابه الأمامي معوج بالشكل اللي سابته عليه آخر مرة.
يوسف مد إيده ناحية الباب وهو بيقول
أعدله؟
قلت بسرعة وبحدة خلت حتى أنا أستغربها
ما تلمسوش.
سحب إيده فورًا وبصلي باستغراب وقال وهو لسه مركز عينه على بيت العرايس
أربعين
سنة ولسه ما عدلتش الباب؟

نزلت بعيني للأرض وابتسمت ابتسامة باهتة مالهاش أي ملامح.
عارف.
ما قدرتش أقول أكتر من الكلمة دي.
لأن الحقيقة كانت أبسط وأوجع من أي تفسير.
أنا ما كنتش بسيب أي حاجة مراتي أو ولادي لمسوها تتغير وكأن كل تفصيلة في البيت كانت آخر خيط بيربطني بيهم ولو قطعته، هحس إني بدفنهم للمرة التانية.
التعب كان أخد من جسمي أكتر مما توقعت، فقعدت على طرف سرير مريم وسندت ضهري وأنا بحاول أريح نفسي دقيقة قبل ما نكمل ترتيب الأوضة.
وفجأة طلع صوت مكتوم من تحت المرتبة، صوت حاجة صلبة خبطت في خشب السرير.
أنا ويوسف بصينا لبعض في نفس اللحظة.
وقال بسرعة
ده السرير؟
هزيت راسي بالنفي.
لأ.
قطب جبينه باستغراب وقال
عرفت منين؟
بصيت ناحية السرير وقلت بابتسامة حزينة
اشتغلت نجار أكتر من خمسة وأربعين سنة وأعرف صوت الخشب حتى وهو بيتنفس. ده مش صوته.
قمنا شيلنا المرتبة بحذر.
وفي اللحظة اللي قلبناها فيها وقعت عيني على جزء صغير من القماش كان متخيط بخيط لونه مختلف عن باقي المرتبة والغريب إن غرز الخياطة نفسها كانت ميلة وغير منتظمة، كأن اللي عملها كان لسه بيتعلم.
وقفت مكاني ومديت صوابعي ألمس الغرز واحدة واحدة.
ولقيت نفسي بقول بصوت خرج مخنوق من غير ما أحس
دي خياطة مريم 
سكت لحظة وعديت صوابعي على الخيط كأني بلمس إيد بنتي نفسها، قبل ما أكمل
كانت كل مرة تشد الخيط زيادة عن اللزوم وأقولها سيبيه يريح في إيدك، كانت تضحك وتقول ما ينفعش الحاجة تفلت يا بابا.
حسيت إن نفسي بقى تقيل.
لكن فضولي كان أقوى. جبت مقص صغير من فوق التسريحة وابتديت أفك الخياطة
غرزة غرزة وأنا حاسس إن كل غرزة بتتفك معاها سنة من السنين اللي ضاعت من عمري.

ولما فتحت الفتحة أخيرًا مديت إيدي لجوه المرتبة ولمست جسم خشبي صغير.
شدّيته براحة وطلع معايا صندوق خشب قديم، مغطى بطبقة سميكة من التراب، كأنه كان
تم نسخ الرابط