أربعين سنة وأنا كل أسبوع بروح أزور تلات قبور
المحتويات
كانت مصممة ترجع بيتها وكانت بتقول إنها مش هتصدق أي كلمة سمعتها غير لما تسمع الحقيقة من جوزها بنفسه.
حسيت إن الكلمات خبطت في صدري خبطة رجعتني أربعين سنة لورا.
ومن غير ما أحس
همست
وأنا جوزها.
رفعت الست عينيها ناحيتي وكأنها افتكرت آخر جزء من الحكاية وقالت بصوت هادي
أختها هي اللي قالت لها إن جوزك سافر مع ست تانية وإنه خلاص اختار يعيش معاها وإنها لازم تواجه الحقيقة بدل ما تفضل مستنية.
في اللحظة دي
حسيت بألم حاد في صدري، لدرجة إني حطيت إيدي مكان قلبي من غير وعي وقلت بصوت مكسور، بالكاد خرج من بين شفايفي
ده كدب.
يوسف لمح اصفرار وشي، فجري بسرعة وسحب كرسي وقربه مني وقال بقلق
اقعد يا عمي بالله عليك اقعد.
لكن قبل ما أقعد، كان فيه سؤال واحد لازم أعرف إجابته.
بصيت للست وسألتها وأنا بحاول أتمالك نفسي
خديجة سابت المكان بمزاجها؟ ولا حد أجبرها؟
هزت راسها وقالت
لأ هي اللي ركبت العربية بنفسها، لكنها كانت باين عليها الدوخة وكانت بتعيط طول الوقت وأنا حتى عرضت عليها تستريح شوية قبل ما تمشي، لكنها رفضت وقالت إنها لازم ترجع بيتها حالًا.
قفلت عيني للحظة.
لأن أول مرة من أربعين سنة
بدأت أشوف اللي حصل يومها بعين خديجة، مش بعيني أنا.
يمكن كانت سايقة وهي بتبكي.
يمكن ما كانتش شايفة الطريق أصلًا.
ويمكن
كل اللي احتاجته في اللحظة دي كان مكالمة واحدة مني.
رجعنا العربية.
وطول الطريق، ما طلبتش من يوسف يوديني البيت.
قلت له بهدوء
وديني لسارة.
بصلي باستغراب، لكنه ما سألش.
ولما وصلنا
فتحت لنا الباب وأول ما شافتني عرفت من وشي إن فيه حاجة كبيرة حصلت.
دخلنا وحطيت الصور قدامها على الترابيزة، من غير أي مقدمات.
وقلت
خديجة شافت الصور دي.
أول ما وقعت عينيها عليها، اتغير لون وشها ورفعت
يعني افتكرت إن بينا علاقة؟
هزيت راسي ببطء.
آه.
سكتت ثواني وبعدها قامت بسرعة ودخلت أوضتها.
رجعت بعد دقائق وهي شايلة ملفات قديمة ومستندات ومحاضر اجتماعات وحتى خطابات رسمية عليها التواريخ والأختام.
فضلت تفتح ورقة ورا التانية وتشاور على كل صورة وتقول إمتى اتصورت وليه وإيه الاجتماع اللي كان قبلها وإيه القرار اللي اتاخد بعدها، لحد ما بقى واضح إن كل لقاء بينا كان جزءًا من شغل رسمي وإن الصور اتقصت واتجمعت بطريقة تخلي أي حد يشوفها يصدق أسوأ احتمال.
وبعد ما خلصت
بصتلي بحزن وقالت
أنا قلتلك وقتها اشرح لمراتك، حتى لو ما قلتش كل التفاصيل، قول لها أي حاجة تطمنها.
نزلت عيني للأرض وقلت بصوت منخفض
ما كنتش أقدر أتكلم في قضيتك كنت واعدك إن كل اللي بينا يفضل سر لحد ما التحقيق يخلص.
هزت راسها بهدوء وقالت
وكان ينفع تحافظ على سري وتحافظ على بيتك في نفس الوقت.
سكتت لحظة، قبل ما تكمل وهي بتبص في الصور
إنت ما كذبتش على مراتك يا عاصم لكنك سيبت بينها وبين الحقيقة مسافة كبيرة ولما الإنسان يسيب فراغ، دايمًا بيلاقي حد يملأه.
تنهدت وقالت الكلمة اللي فضلت ترن في ودني طول الطريق
وغنوة هي اللي ملّت الفراغ ده.
خرجنا من عندها.
وطول طريق الرجوع
ما نطقتش ولا كلمة.
كنت ببص من شباك العربية والسنين كلها بتمر قدام عيني.
طول عمري كنت فاكر إن السكوت كان وفاء.
وإن حفظ الأسرار كان رجولة.
لكن الحقيقة اللي اكتشفتها بعد أربعين سنة
إن السكوت ساعات ما بيحميش حد.
بل ممكن يهدم بيت كامل.
وخديجة
ما كانتش طالبة مني اعتراف ولا تبرير ولا حتى كشف كل الأسرار.
كانت طالبة كلمة واحدة
تطمن قلبها.
وأنا رديت عليها بالصمت.
والصمت ده هو السلاح اللي غنوة استخدمته عشان تهدم بيتنا.
أول ما رجعنا، فتحت ورقة مريم المكتوبة بقلم الشمع البنفسجي.
وقريتها من جديد.
يا بابا أنا خبيت جواب ماما، لأني ما كنتش عايزاك تزعل منها. أنا آسفة أرجوك، ما تسيبهاش تمشي.
قلت وأنا حاسس بقلبي بيتقطع
البنت دي شالت الذنب ده طول عمرها.
يوسف قال بهدوء
إحنا لسه ما نعرفش.
هزيت راسي.
الطفلة اللي تكتب الكلام ده عمرها ما هتنساه.
في اللحظة دي
هدفي اتغير.
ما بقاش أهم حاجة أعرف الحقيقة.
أهم حاجة
ألاقي بنتي، قبل ما تقضي بقية عمرها وهي فاكرة إنها السبب في خراب أسرتنا.
بعد تلات أيام، يوسف قدر يوصل لمرشدة اجتماعية في مدرسة قديمة.
السجلات كانت مطابقة لاسم عيلة خديجة قبل الجواز ولنفس المدينة ولنفس سن مريم.
ولما شفت صورتها
قلبي وقف.
كانت واقفة وهي ماسكة كوعها بنفس الطريقة اللي كانت مريم بتعملها كل ما تتوتر.
دي مريم.
يوسف بص للصورة مرة تانية.
عشان شبه أمها؟
هزيت راسي.
لأ عشان لسه فيها نفس ملامحها.
عرض يوسف إنه يتواصل معاها بدالي، لكن رفضت.
كتبت لها رسالة.
مسحتها.
كتبت واحدة تانية.
وبرضه مسحتها.
الأولى كانت ناشفة والتانية كان الغضب ماليها.
وفي الآخر كتبت
يا مريم
أنا ما أعرفش إنتِ اتقالك إيه عني.
لكن اللي أعرفه إني حبيتك يوم خرجتي من البيت ولسه بحبك لحد النهارده.
لقيت الرسالة اللي خبيتيها في المرتبة.
واللي حصل عمره ما كان ذنب بنت عندها تسع سنين.
مش هاجي أشوفك إلا لو إنتِ طلبتي.
كتبت رقم تليفوني وعنوان بيتي.
وضغطت على زر الإرسال
وقعدت أدعي.
في نفس الليلة
رن الموبايل.
رديت بسرعة، لكن ما حدش اتكلم.
بعد صمت طويل
سمعت صوت ست، لكنه كان مألوف بطريقة وجعت قلبي.
قالت
إنت كنت تعرف إحنا فين؟
قلت من غير تردد
لأ.
سكتت لحظة.
إنت
غمضت عيني.
لأني ما كنتش أعرف أدوّر عليكم فين.
قالت بصوت مكسور
غنوة قالت إنك سبتنا وسافرت مع واحدة تانية.
قلت بحزم
كدبت.
سمعت شهقة مكتومة.
وبعدين قالت
قابلني بكرة.
قلت بسرعة
فين؟
في قاعة المناسبات اللي بشتغل فيها.
هكون هناك.
تعالى لوحدك.
تاني يوم
دخلت القاعة.
لقيتها بتعدل صفوف الكراسي، رغم إنها كانت مترتبة أصلًا.
ولثواني
رجعت أشوف الطفلة اللي ضاعت مني.
لكن لما بصتلي
شفت الست اللي صنعتها السنين.
قالت
إنت جيت.
ابتسمت بحزن.
أنا وعدتك.
بصت في عيني مباشرة.
ليه بطلت تدور علينا؟
أول حاجة جت على بالي إني أدافع عن نفسي.
لكن ما عملتش كده.
قعدت على أول كرسي قدامي وقلت
احكيلي إنتِ فاكرة إيه.
بدأت تحكي.
قالت إن أمها كانت بتعيط في الاستراحة وغنوة كانت مصرة تقول لها إن عاصم اختار يعيش مع ست تانية.
ومصطفى كان كل شوية يسأل
بابا هييجي إمتى؟
بعدها، عربية خديجة سخنت وهي قريبة من الكوبري.
غنوة قالت إنها هتوصلهم بعربيتها.
وفي نفس الليلة
أصيبت خديجة بجلطة أثرت على كلامها وذاكرتها.
غنوة نقلتهم لمحافظة تانية.
كانت تمنع المكالمات والجوابات.
وكانت كل يوم تقنعهم إن عاصم عارف مكانهم
بس مش عايزهم.
عاشوا باسم عيلة خديجة قبل الجواز.
ومريم غيرت اسمها رسميًا بعد كده.
وعشان كده
ولا حد ربط بينهم وبين الأسرة اللي الكل كان فاكر إنها ماتت في النهر.
قالت وهي باصة في الأرض
أنا استنيتك سنين.
بلعت ريقي.
وأنا عمري ما بطلت أدور.
قالت بصوت مرتعش
لما كبرت افتكرت المرتبة.
رفعت عينيها ليا.
عرفت إنك أكيد ما شفتش الرسالة.
دموعها نزلت.
كل ده حصل بسببي.
هزيت راسي بقوة.
لأ.
أنا اللي خبيت الجواب.
كان عندك تسع سنين.
قالت وهي
وده يغير إيه؟
قلت بهدوء
يغير مين اللي يتحمل المسؤولية.
سكت شوية وبعدين كملت
إنتِ خبيتي ورقة خوفًا
وأنا خبيت الحقيقة بصمتي وكبريائي.
بس الفرق
إن واحد فينا كان طفل.
والتاني كان راجل كبير.
غطت وشها بإيديها.
وقالت
أنا ضيعت عيلتنا.
قربت منها شوية.
العيلة ضاعت بسبب قرارات الكبار
مش بسبب طفلة.
بعد لحظات، شالت إيديها من على وشها.
وسألتني
بجد فضلت تدور علينا؟
فتحت الشنطة اللي معايا.
طلعت محاضر الشرطة.
قصاصات جرائد.
إيصالات لمحققين خاصين.
وخطابات قديمة.
فرشتهم قدامها.
وقلت
ولا يوم بطلت.
مسكت قصاصة جريدة وفضلت تقراها.
وبعدين
مدت إيديها ومسكت
متابعة القراءة