أربعين سنة وأنا كل أسبوع بروح أزور تلات قبور
إيدي لأول مرة من أربعين سنة.
أما مصطفى
فرفض يقابلني.
ما ضغطتش عليه.
بعتله الساعة الفضية بالبريد.
وحطيت معاها ورقة صغيرة.
كتبت فيها
لسه بتتأخر أربع دقايق كل يوم
وبرغم كده، كنت بلفها كل أسبوع.
بعد تلات أيام
كلمني.
أول سؤال قاله
بجد كنت بتلفها كل أسبوع؟
ابتسمت.
كل يوم جمعة.
سكت شوية.
وبعدين قال
مريم قالت إنك فضلت تدور علينا.
قلت
أيوه.
ضحك ضحكة باهتة.
واضح إنك ما كنتش شاطر أوي.
ابتسمت بألم.
معاك حق.
سكت.
وبعدين قال بصوت واطي
مش عارف أناديك يا بابا.
قلت
ناديني عاصم
لحد ما قلبك يبقى مستعد.
وقبل ما يقفل
سألني
إنت اتجوزت بعد ماما؟
قلت
لأ.
ليه؟
ابتسمت رغم الدموع.
لأني كان عندي عيلة
وما قدرتش أستبدلها.
قبل وفاة خديجة بفترة
وقعت في إيديها قصاصة جريدة عن الوقفة التذكارية اللي كنت بعملها كل سنة عند الكوبري.
لما عرفت إني ما بطلتش أدور عليهم
سجلت رسالة بصوتها.
وطلبت من غنوة تساعد الولاد يرجعوا لي.
لكن غنوة خبت الشريط وسط حاجات خديجة.
ومريم هي اللي لقيته بعد وفاتها.
قلت لها
شغليه.
بصتلي بتردد.
قلت
السلام اللي مبني على كدب
مش سلام.
اشتغل التسجيل.
وطلع صوت خديجة، ضعيف ومتقطع.
يا مريم يا مصطفى
أبوكم كان بيحبكم.
غنوة كانت فاكرة إنها بتحميني
لكن الخوف عمره ما كان حقيقة.
كان لازم أسأل جوزي بنفسي.
غطت مريم بوقها وهي بتعيط.
وفي اللحظة دي
دخل مصطفى من الباب.
وقال وعينه على الشريط
غنوة قالت إن بابا هو السبب في جلطة أمي
وقالت إنها وقعت لما عرفت إنه خانها.
قبضت على عصاي بقوة.
وأضافت مريم وهي بتمسح دموعها
وقالت كمان إن أمي فقدت رغبتها في الحياة بسببك
وعشان كده ماتت.
بصيت ليهم الاتنين.
وقلت بهدوء
إنتوا كنتوا أطفال
وما سمعتوش غير الحكاية اللي واحدة كبيرة سمحتلكم تسمعوها.
بعدها مباشرة
طلعت الموبايل واتصلت بغنوة.
ردت بعد ثواني.
خير يا عاصم؟
قلت بهدوء ثابت
لقيت رسالة خديجة.
سكتت.
وبعدين قالت
عايز إيه؟
قلت
كفاية إنك اتكلمتي باسم مراتي كل السنين دي.
بكرة
هيكون دورك تسمعي.
وفي مساء اليوم التالي
اتجمعت العيلة كلها.
كانت غنوة واقفة على رأس السفرة وكأنها لسه صاحبة القرار.
بصيت لها وقلت
إنتِ بتقولي إنك عملتي اللي خديجة كانت محتاجاه.
سكت شوية، ثم كملت
لكن الحقيقة
إنتِ عملتي اللي
ردت بعصبية
أنا حميتها منك.
قلت وأنا طلعت الصور قدام الجميع
إنتِ صورتي مواقف بريئة
وافترضتي أسوأ احتمال
وبعد حادث العربية بنيتي عليه أكبر كذبة في حياتنا.
وبصيت لمريم ومصطفى
أنا كمان خذلت أمكم.
الكل بصلي.
كملت
يوم خديجة سألتني أنا مخبي إيه رديت عليها بالسكوت. كنت فاكر إن إخلاصي ليها كفاية وإن الصمت هيحافظ على كرامة الناس.
ابتسمت غنوة ابتسامة خفيفة وقالت
أهو اعترفت بنفسك.
لفيت وشي ناحيتها.
وقلت بثبات
آه دي كانت غلطتي.
سكت لحظة.
لكن الأربعين سنة اللي بعد الغلطة دي كانت اختيارك إنتِ.
مريم طلعت ملفات سارة وحطتها قدام غنوة.
وسألتها
بابا قالك في يوم إنه هيسيبنا؟
غنوة ما ردتش.
مريم كررت السؤال.
قالها؟
همست
لأ.
سألتها تاني
ولما عرفتي إنه بيدور علينا قولتلنا؟
غنوة نزلت عينيها للأرض.
وبعد صمت طويل قالت
عرفت بعد فترة.
مصطفى كان لابس الساعة الفضية في إيده.
حط دراعه على الترابيزة وقال
يبقى إنتِ سيبتينا نكرهه.
قالت بسرعة
كنت فاكرة إن الحقيقة هتكسركم.
رد عليها مصطفى وعينه مليانة دموع
لأ إنتِ من الأول علمتينا مين نكرهه.
شغلت تسجيل خديجة مرة تانية.
الصوت الضعيف ملأ المكان.
يا مريم يا مصطفى أبوكم كان بيحبكم. غنوة كانت فاكرة إنها بتحميني، لكن الخوف عمره ما يبقى حقيقة. كان لازم أسمع من جوزي قبل ما أصدق أي حد.
ولما التسجيل خلص
ما حدش اتكلم.
ولا حد دافع عن غنوة.
مسكت جهاز التسجيل بإيدي.
وبصيت لها.
من النهارده مش إنتِ اللي هتحددي خديجة كانت بتفكر في إيه.
سكت شوية.
ومش إنتِ اللي هتتكلمي باسم ولادي.
وبعدين قلت آخر جملة
والسيطرة على الناس عمرها ما كانت حب.
في صباح اليوم اللي بعده
أنا ومريم ومصطفى وقفنا على نفس الكوبري.
المكان اللي قضيت عنده أربعين سنة، باجي كل سنة، أربط شريط أبيض جديد بدل اللي بهت لونه.
فكيت الشريط القديم بإيدي.
وقلت
هنا كنت باجي أرثيكم.
مصطفى بص للساعة اللي في إيده ولمسها برفق.
وسأل
هنعمل إيه دلوقتي؟
ابتسمت لأول مرة من سنين.
وقلت
دلوقتي هبطل أعيش على حزن ناس واقفين جنبي.
رجعنا البيت.
دخلت مريم أوضتها القديمة.
عدّت صوابعها على مكان الخياطة اللي كانت عاملاها في المرتبة.
وقالت بصوت مكسور
كنت فاكرة إن الغرزة دي هي اللي ضيعتنا.
قربت منها.
وقلت
لأ.
اللي ضيعنا كانت قرارات الكبار.
مصطفى مسك طرف المرتبة ورفعها.
وقال وهو بيبتسم
يبقى خلاص نرميها.
ضحكت لأول
وبعدين فتحت بيت العرايس الخشب اللي كانت مريم بتلعب بيه.
الباب الأمامي
لسه مايل زي ما كان.
مديت إيدي أجيب المفك.
لكن مريم مسكت إيدي برفق.
وقالت
مش لازم يتصلح النهارده يا بابا.
مصطفى فتح درج العدة وطلع مفك تاني.
وقف جنبي وهو بيبتسم.
وقال
وكمان مش لازم تصلحه لوحدك.
بصيت لهم الاتنين.
أربعين سنة
وأنا مستني ولادي اللي كنت فاكر إني فقدتهم للأبد.
رجعوا
شايلين غضب وندم ووجع وأربعين سنة اتسرقت من عمرهم.
حطيت المفك على الترابيزة.
وبصيت لهم بابتسامة كلها أمل.
وقلت
المرة دي هنبني كل اللي اتكسر سوا..