أربعين سنة وأنا كل أسبوع بروح أزور تلات قبور

لمحة نيوز

مستخبي هناك من عمر كامل ومستني اللحظة دي بالذات علشان يخرج للنور.
بص يوسف للصندوق وبصلي، من غير ما واحد فينا ينطق.
فتحت الغطا. كان جواه شوية صور قديمة ورسالة مكتوب عليها اسم غنوة وكارت عيد ميلاد باهت الألوان ورسالتين متطويين بعناية، كأن صاحبهما كان خايف حد يفتحهما قبل أوانه.
مديت إيدي للصور الأول.
وأول ما بصيت فيها حسيت بقلبي بينقبض.
كانت صور ليا وأنا واقف جنب زميلة معايا في الشغل.
في صورة كنت بحط إيدي على دراعها بعد حفلة تكريم في الشركة.
وفي صورة تانية كنا داخلين كافيه مع باقي زمايلنا، لكن زاوية التصوير خلتنا باينين لوحدنا.
وأول ما شفت الصور فهمت فورًا إزاي أي حد يشوفها من غير ما يعرف حقيقتها، يقدر يفسرها بطريقة تانية خالص.
لكن رغم صدمة الصور ما كانتش هي أكتر حاجة رجفتني.
لأن عيني وقعت على الرسالة التانية.
عرفت خطها من أول نظرة.. خط خديجة.
إيدي بدأت ترتعش وأنا بفرد الورقة.
وأول سطر فيها كان كفيل يهدم أربعين سنة من اليقين.
يا عاصم لو بتقرأ الرسالة دي، يبقى أكيد حصل لي حاجة. اقرا كل حاجة للنهاية وما تثقش في اختي. فيه حقيقة عمرك ما عرفتها.
وقفت. نفسي اتقطع. لكن قبل ما أقلب الصفحة وقعت عيني على ورقة صغيرة مطوية، مكتوبة بقلم شمع بنفسجي باهت.
فتحتها.
ولما شفت أول كلمة حسيت إن الدنيا كلها بتلف بيا.
كان خط مريم يا بابا أنا خبيت جواب ماما، لأني ما كنتش عايزاك تزعل منها. أنا آسفة أرجوك، ما تسيبهاش تمشي.
قريت السطور مرة واتنين وتلاتة وكل مرة كانت الحروف بتوجعني أكتر من اللي قبلها.
يوسف قعد جنبي ولسه الصدمة مرسومة على وشه وقال بصوت واطي
يبقى مريم هي اللي خبت الصندوق.
هزيت راسي وأنا مش قادر أشيل عيني من
خط بنتي.

وقلت بصوت مخنوق كانت طفلة وفاكرة إن أمها كانت ناوية تسيبني وإنها لو خبت الجواب هتمنعها تمشي.
سكت يوسف لحظة وبعدها مد إيده للصور وقعد يقلب فيها واحدة واحدة، قبل ما يرفع عينه ويسألني
مين الست دي؟
أخدت نفسًا طويلًا وأنا ببص للصورة وقلت
كانت زميلة معايا في الشغل
رفع يوسف حاجبه وهو لسه ماسك الصور بين صوابعه وقلب واحدة منها قدام النور كأنه بيدور فيها على حاجة أنا مش شايفها وبعدها بصلي وسأل بهدوء، لكن السؤال كان تقيل على قلبي أكتر من أي اتهام
كان بينكم حاجة؟
رفعت عيني فيه وما هربتش من نظرته وقلت بثبات
والله ما لمستها يوم.
ابتسم ابتسامة خفيفة وهز راسه وقال
أنا ما اتهمتكش يا عمي.
تنهدت تنهيدة طويلة وأنا باخد الصور من إيده وقلت بصوت كله حسرة
بس ملامحك سألت قبل لسانك وأنا لو شفت الصور دي من بره، يمكن كنت هفكر زيك.
ساد بينا صمت قصير، قبل ما أرجع أبص للصور وأقرر لأول مرة بعد كل السنين دي أحكي الحقيقة كاملة.
سارة كانت زميلة معايا في الشغل واتعرضت لظلم كبير بسبب مديرها وكانت على وشك تخسر وظيفتها من غير أي ذنب ولأنها كانت عارفة إني أكبر منها وإن الناس كلها بتثق في كلامي، طلبت مني أقابلها بعيد عن الشركة علشان نراجع المستندات ونشوف إزاي نثبت حقها من غير ما الموضوع يكبر.
اللقاء ما كانش فيه أي حاجة غلط.
ولا كلمة خرجت عن حدود الأدب.
ولا نظرة تكسفني لو مراتي كانت قاعدة قدامنا.
لكن الصور ما بتحكيش الحكاية كلها.
الصورة بتاخد لحظة وتسيب الخيال يكمل الباقي.
يوسف فضل ساكت شوية وبعدها سألني
وطنط خديجة كانت تعرف؟
هزيت راسي بالنفي وقلت
لأ الموضوع ما كانش يخصني لوحدي وكان فيه أسرار تخص شغل سارة وما كانش من حقي
أحكيها.

قال بهدوء وهو لسه مركز معايا
بس كان من حق مراتك تطمن حتى لو ما قلتش التفاصيل.
الكلام دخل قلبي زي السكينة.
وما عرفتش أرد.
لأنه كان عنده حق.
وفي لحظة رجعت بيا الذاكرة أربعين سنة لورا.
افتكرت خديجة وهي واقفة قدامي في المطبخ وعينيها مليانة قلق وقالتلي بصوت عمره ما فارق ودني
يا عاصم في حاجة مخبيها عني؟
وقتها بصيتلها وقلت بمنتهى الثقة
مفيش أي حاجة تستدعي القلق.
كنت فاكر إن سكوتي احترام لخصوصية إنسانة استأمنتني.
لكن بعد العمر ده كله اكتشفت إن السكوت ساعات بيكون أخطر من الكذب وإن الفراغ اللي بنسيبه من غير تفسير، الشك هو أول واحد بيجري يملأه.
مد يوسف إيده للرسالة التانية وابتدى يقراها بهدوء.
كانت مكتوبة بخط غنوة وفيها عنوان بيتها بالتفصيل وكلمتين بتقول فيهم إنه لو الأولاد تعبوا في الطريق، أو اتأخر الوقت، يبقى الأفضل يباتوا في الاستراحة اللي جنب بيتها لليلة وبعدها يكملوا المشوار الصبح.
اتسمرت مكاني لأن كل حاجة بدأت ترجع واحدة واحدة.
خديجة خرجت يومها ومعاها مريم ومصطفى علشان يزوروا أختها.
وأنا فضلت في الشغل.
مش لأني ما كنتش عايز أروح لكن لأن الضغط وقتها كان فوق احتمالي وقلت هسافر لهم بعد ما أخلص.
ولما الساعة عدت التاسعة بالليل وما حدش كلمني يطمني إنهم وصلوا 
قلبي بدأ يقلق.
مسكت التليفون وكلمت غنوة.
أول ما ردت، سألتها من غير مقدمات
خديجة وصلت؟
سكتت لحظة.
وبعدين قالت بسرعة
يا عاصم هما ما وصلوش أصلًا.
فاكر اللحظة دي كأنها حصلت امبارح.
قومت من مكاني بعنف، لدرجة إن الكرسي اتقلب وخبط في الحيطة.
وقلت وأنا بحاول أقنع نفسي قبل ما أقنعها
اسألي الجيران يمكن مصطفى تعب في الطريق، أو العربية
عطلت، أو وقفوا عند أي حد.

ردت بصوت كله خوف
لو حصل كده كانت كلّمتني.
صرخت فيها من غير ما أحس
اتأكدي الأول.
لكن قبل نص الليل كانت الشرطة بقت معاها خط السير كله ومواصفات العربية وأرقامها وبدأت رحلة البحث اللي فضلت تطاردني أربعين سنة.
وتاني يوم لقوا العربية واقفة عند الكوبري اللي بيعدي على النهر.
وقالوا وقتها إن خديجة غالبًا وقفت على جنب وإن فرامل اليد فلتت والعربية اندفعت لوحدها ناحية المية.
الغواصين نزلوا.
ودوروا.
ورجعوا.
ومن غير ولا جثة.
ومن غير ولا دليل.
ومن غير إجابة واحدة تشفي قلب أب.
وبعد سنين من الانتظار 
صدر الحكم الرسمي باعتبار خديجة ومريم ومصطفى في عداد المتوفين.
رجعت أبص لرسالة غنوة مرة تانية.
العنوان المكتوب فيها كان أول مكان المفروض خديجة تكون عدت عليه.
رفعت عيني ليوسف وقلت بحزم لأول مرة من سنين
هنروح هناك.
يوسف ما ناقشنيش.
قام بهدوء، أخد جاكيتي من فوق الكرسي وقربه مني وهو بيقول
بعد ما تاخد دواك.
بصيتله بعصبية وقلت
أنا ضيعت أربعين سنة مش هضيع دقيقة كمان.
حط إيده على كتفي وقال بنفس الهدوء
وعشان كده ما ينفعش تضيع الحقيقة كلها لأنك وقعت في نص الطريق. أنا هسوق.
بعد أقل من ساعة 
كنا واقفين قدام العنوان.
لكن الاستراحة القديمة ما كانتش موجودة.
مكانها بقى عمارة سكنية كبيرة وكل أثر للماضي اختفى، كأنه عمره ما كان موجود.
وفي مدخل العمارة 
كانت قاعدة ست كبيرة في السن، بتسقي زرع صغير قدام الباب.
طلعت صورة خديجة ووريتها لها.
فضلت تبص فيها وقت طويل، قبل ما ترفع عينيها وتقول
فاكراها ابنها كان مولع من السخونية وكانت كل شوية تحاول تكلم جوزها، بس الخط ما كانش بيرد.

نفسي اتقطع.
طلعت صورة غنوة بسرعة وسألتها
والست دي شوفتيها؟
هزت راسها بالإيجاب.
أيوه جات بعدها بحوالي ساعة.
قلبي بدأ يدق بعنف.
وسألتها وأنا حاسس إن الإجابة هتغير حياتي
حصل إيه؟
تنهدت الست وقالت
اتخانقوا خناقة كبيرة.
بلعت ريقي بصعوبة.
وبعدين؟
بصتلي في عيني وقالت
قالت الست وهي بتبص للصورة مرة أخيرة وكأن الذكريات بترجع قدام عينيها واحدة واحدة
مراتك
تم نسخ الرابط