اختفى فصل كامل من رياض الأطفال وبعد عامين، حين فتحت الشرطة فرن المدرسة، تجمّد الجميع من هول ما رأوه…

لمحة نيوز

كان ينبغي علي قراءتها قبل عامين.
هز صموئيل كتفيه وقد تغلب شعوره بالحرج على قلقه. أنت تقرأها الآن. هذا هو المهم.
أومأ ريفيرا برأسه نحو المبنى. هل هناك أي شيء آخر يجب أن أعرفه قبل أن ندخل إلى هناك
نظر صموئيل إلى الباب. إلى جدار الطوب الأسمنتي. إلى النافذة الصغيرة المندوبة في الأعلى.
قال بهدوء استمع إلى صوت الطنين. عندما يعمل هذا الشيء فإنه... ليس كالمعتاد.
عبس ريفيرا لكنه أومأ برأسه. سنكون حذرين.
اختفى المحقق في الداخل مع فريق الأدلة الجنائية.
انتظر الحشد.
على شاشة التلفزيون تختصر هذه اللحظات عادة. لقطة سريعة لرجال يرتدون بدلات رسمية يدخلون مبنى ثم ينتقل المشهد فجأة إلى خروجهم سواء أكان ذلك مصحوبا بالرعب أم بالارتياح الذي تتطلبه القصة. أما في الواقع فالانتظار يطول.
مرت الدقائق. غير الناس أماكنهم. بدأت امرأة بالبكاء بهدوء وارتجفت أكتافها. صرخ أحدهم من الخلف اعثروا على أطفالنا! وهمس آخرون موافقين.
ضغطت إريكا على ذراع صامويل. تحرك فك دارنيل وصر على أسنانه.
لم تأت الإشارة الأولى من المبنى بل من صف الضباط عند الباب.
تنحى أحدهم جانبا بسرعة ووضع يده على فمه. ونزع آخر قناعه وانحنى على نفسه يتقيأ في العشب.
انتفض شيء ما في جسد الحشد الجماعي.
ثم ظهر ريفيرا عند العتبة.
كان شاحبا تحت بشرته السمراء وعيناه شاردتان مذهولتان. وللحظة وقف هناك فقط وصخب الحشد يتردد صداه من حوله.
ثم استدار ورفع يده مشيرا إلى شخص ما في الداخل. خرج ضابط آخر ومعه كيس كبير للأدلة. بداخله ملتصقا بالبلاستيك كانت قطعة قماش متفحمة عليها رسمة كرتونية لحصان وحيد القرن بالكاد ترى من خلال السخام.
خلفهم في ظلمة غرفة الفرن تحركت المزيد من البدلات وظهرت المزيد من الحقائب.
وصفت وسائل الإعلام لاحقا ما عثر عليه ببقايا. كانت تلك الكلمة المنمقة. لقد غطت على الكثير. عظام صغيرة نصف ذائبة تحولت إلى رماد. أشكال بلاستيكية صغيرة مشوهة كانت في يوم من الأيام ألعابا. سحابات ملتصقة بالقماش. أزرار. أطراف أربطة أحذية. مخلفات ثمانية عشر روحا مسروقة وربما أكثر متراكمة في طبقات من الرعب تحت نظام التدفئة في المدرسة.
في الشارع لم تكن تلك التفاصيل معروفة بعد. لكن شيئا ما انتشر على أي حال. موجة من الإدراك من حزن حاد كاد أن يسقط الناس أرضا.
همس أحدهم قائلا لقد كانوا هناك.
طوال هذا الوقت قال صوت آخر. هناك بالضبط.
انقطع نفس دارنيل فجأة. وسقط على سامويل الذي أمسك به وركبتاه المنهكتان ترتجفان لكنه تمسك به.
غطت إريكا فمها وانهمرت دموعها فغطت نظارتها بالضباب.
حدق صموئيل في الباب وفي
الرجال ذوي الملابس البيضاء الذين يتحركون كأشباح حزينة وبطيئة وتذكر أثر القدم الصغير في الغبار. والقش المنحني. والطرق الخافت الذي لم يسمعه سواه.
همس بصوت خافت أنا آسف ليس لأي شخص على قيد الحياة بل للأطفال الذين كان يحيط بهم طوال عامين. أنا آسف للغاية لأن الأمر استغرق كل هذا الوقت.
وجاءت الاعتقالات بعد ذلك مباشرة.
كانت الأدلة في غرفة المرجل غامضة لا يمكن تفسيرها. عملت فرق الطب الشرعي على مدار الساعة مستخرجة ما استطاعت من أدلة الحمض النووي شظايا العظام أي دليل يعطي العائلات ما يشبه الإجابات. امتلأ مكتب الطبيب الشرعي بأكياس صغيرة مفجعة.
وفي الوقت نفسه نشرت قصة جينينغز الثانية بعنوان ملك الشواء مرتبط بقتل الأطفال مع صورة لفيك ماليري وهو يبتسم فوق شواية وهو أمر يبدو الآن مروعا عند النظر إليه بأثر رجعي.
كانت الكاميرات تصور عندما داهمت قوات التدخل السريع مطعم ماليري.
كان يضحك مع أحد الزبائن وفي يده ملقط عندما دخلوا من الباب الأمامي مرتدين ملابس عسكرية وهم يصرخون بالأوامر. للحظة بدا عليه الارتباك الشديد بل وحتى الاستياء من أن يقاطعه أحد أثناء أدائه.
ثم رأى المحقق ريفيرا بينهم وشارة الشرطة ظاهرة فتجمد شيء ما في تعبير وجهه.
قال ريفيرا بصوت عال وسط الفوضى فيكتور ماليري أنت رهن الاعتقال بتهمة اختطاف وقتل العديد من الأطفال بمن فيهم ثمانية عشر طالبا من مدرسة ساوثوود الابتدائية.
انفجرت غرفة الطعام بحركة مذعورة. تدافع الناس من مقاعدهم وقلبوا الكراسي. بدأ أحدهم بالبكاء. انتشرت رائحة اللحم المدخن في الهواء.
لماذا سأل فيك بينما كانوا يديرونه ويقيدون معصميه. لا يمكنكم إلصاق هذه التهمة بي. هل تعلمون من أطعم في هذه المدينة هل تعلمون من أساعد
قال ريفيرا بهدوء نعلم ذلك. لدينا توقيعاتهم على شيكاتك.
في مكتب كول كانت المداهمة أكثر هدوءا لكنها لم تكن أقل شمولا. خرجت صناديق من الوثائق تحت أنظار الموظفين المذهولين. سجلات مصرفية. سجلات تبرعات الحملات الانتخابية. رسوم استشارية غامضة دفعت من شركات وهمية والتي كانت تحول الأموال في مسارات معقدة إلى عمليات فيك.
وقف عضو المجلس بجوار مكتبه المصنوع من خشب الماهوجني وربطة عنقه مرتخية يراقب كيف تلاشت خمسون عاما من الصورة العامة المصقولة إلى مجرد ملصقات للأدلة.
هذا سوء فهم أصر على ذلك حتى عندما سحب المحققون ملفا من درج مكتبه المقفل مكتوبا بخط يده الأنيق ساوثوود خطة طوارئ.
سأله جينينغز لاحقا بينما كان يحاول الاختباء في سيارة سيدان سوداء والكاميرات تضيء المكان ما هو سوء الفهم
وأضافت عندما لم
يرد أنك استطعت إبقاء هذا الأمر مدفونا
لم يجب.
في غضون أيام استقال. وفي غضون أسابيع وجهت إليه رسميا تهم عرقلة سير العدالة والتآمر بالإضافة إلى سلسلة من تهم الفساد التي ستضمن أن يتبع اسمه إلى الأبد كلمتي مخز وسابق.
لم يكن ذلك كافيا. لا شيء يمكن أن يكون كافيا.
في غرف المعيشة في أنحاء شيكاغو ضم الآباء أطفالهم إليهم. وفي الفصول الدراسية نظر المعلمون إلى طلابهم وابتلعوا ريقهم وهم يفكرون في مدى سهولة ثقتهم بالاستمارات والإجراءات والرجال الذين يحملون لوحات الكتابة.
عند السياج الشبكي لساوثوود نشأ نصب تذكاري. بالونات. حيوانات محشوة. رسومات ملونة. ملاحظات مكتوبة بخط اليد موجهة إلى ملائكتنا وأخي الصغير ومايا.
أغلق مجلس إدارة المدرسة المبنى نهائيا إذ كانت تكلفة إعادة الشعور بالأمان فيه باهظة للغاية. همس البعض بضرورة هدمه بينما رأى آخرون أن بقاءه ضروري كشاهد يذكر المدينة بما حدث.
وبالطبع استمر الزمن في الدوران. فهو يفعل ذلك دائما.
عقدت المحاكمات. وتجادل المحامون. وبكت هيئات المحلفين. وصدرت أحكام بالسجن المؤبد. وفي نهاية المطاف حول الصحفيون اهتمامهم إلى فضائح أخرى ومآس أخرى.
لكن بالنسبة لبعض الناس لم تنته القصة أبدا. بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من أيامهم.
بعد أشهر من فتح الفرن تلقى صموئيل مكالمة لم يتوقعها.
جاءت الرسالة من مكتب المنطقة من أحد كبار المسؤولين الذين لم يرهم قط إلا ببدلات رسمية خلال اجتماعات مجلس الإدارة.
قال الرجل بصوت متردد
سيد برايس نحن نستعد لإخلاء ساوثوود. من أجل الجرد والسجلات قبل الإغلاق النهائي. فكرنا بعد كل ما حدث أنك قد ترغب في الدخول. لمرة أخيرة.
كاد أن يرفض.
لماذا يعود إلى ذلك المبنى
ذلك القبر.
ذلك الشاهد الصامت.
لكن حين أغمض عينيه تلك الليلة لم ير سوى كراس صغيرة ورسومات زاهية وصف من الأطفال يتبعون رجلا يحمل لوحة كتابة عبر الممر.
وفي صباح اليوم التالي وجد نفسه واقفا مجددا في الردهة الأمامية لمدرسة ساوثوود الابتدائية.
كان المكان ساكنا.
لا أجراس.
لا ضحكات.
فقط ذرات غبار عالقة في أعمدة الضوء المنسكبة من النوافذ العالية تتحرك ببطء كسول كأن الزمن نفسه فقد الرغبة في العبور.
مشى في الممرات وحيدا.
هنا تذكر مايا حين أسقطت ذات يوم علبة كاملة من البريق فتناثرت الحبيبات الفضية والوردية كالنجوم فوق الأرض. ركع يومها يجمعها برفق بينما كانت تراقبه بشفة مرتجفة مقتنعة أنها أفسدت شيئا لا يمكن إصلاحه.
ابتسم لها وقال
ولا يهمك يا صغيرتي سنجعل الأرضية تلمع أكثر.
وهنا كانت الزاوية بجوار المكتب حيث اعتاد الآباء التجمع
في دوائر صغيرة يتبادلون الأحاديث عن الرحلات والغداء وأصدقاء أطفالهم. الآن المقاعد فارغة وقد بهت بريقها.
مر بخزانة الكؤوس قاعة المحاضرات مكتب الممرضة. أبواب فتحها ألف مرة أصبحت مواربة على صمت دائم.
وأخيرا وصل إلى فصل رياض الأطفال.
كان الباب مفتوحا. شريط مسرح الجريمة الأصفر يتدلى بإرهاق. رائحة الغرفة خفيفة مزيج من ألوان التمبرا والورق القديم كأن شبح الطفولة ما زال عالقا في الهواء.
الكراسي الصغيرة ما زالت في أماكنها مرتبة في دائرة على السجادة البالية. على ظهورها بطاقات أسماء بخطوط طفولية
جايسون. لوبيتا. تايلر. مايا.
حروف معكوسة. قلوب مرسومة. براءة محفوظة.
تحرك ببطء تلامس أصابعه أسطح الكراسي.
على الجدران بقيت رسوماتهم ملتفة عند الزوايا شموس مبتسمة أقواس قزح عائلات بأيد ضخمة ووجوه غير مكتملة.
توقف أمام خزانة.
ملصق نجمة.
ملصق وحيد قرن.
وفوقهما اسم بخط أرجواني غير ثابت
مايا ه.
تتبع الحروف برفق.
همس
مسحت بريقك يا صغيرتي وأظن أنني سأمسح وجعي الآن.
لم يبك.
ظن أنه سيفعل. فقد جاءت الدموع سابقا في لحظات مباغتة أمام نشرة أخبار عند سماع ضحكة طفل في حافلة أو أثناء الوقوف في ممر الحبوب التي أخبرته أم مايا يوما أنها تحبها.
لكن هنا شعر بشيء آخر.
إغلاق.
في الصحف أطلقوا عليه لقب عامل النظافة البطل. وفي البرامج الحوارية وصفوه بالمحقق غير المتوقع. كان ذلك يثقله. الأبطال ينقذون الناس وهو لم ينقذ أحدا. هو فقط رفض النسيان.
وقف في وسط دائرة الكراسي واستدار ببطء.
قال بهدوء ثابت
لن نسمح لهم بتحويلكم إلى حكاية عابرة. لستم عنوانا. لستم حملة تبرعات نسيت. أنتم كنتم هنا ووجودكم ترك أثرا.
وعند خروجه توقف في الردهة للمرة الأخيرة.
نظر إلى المبنى.
نوافذ مظلمة.
صمت كثيف.
ربما ستمنحه المدينة غرضا جديدا يوما ما. ربما سيهدم. ربما سينسى.
لكن صموئيل كان يعلم يقينا
طالما هو حي ستروى القصة.
للجيران.
للصحفيين.
لكل من يسأله عن النجمة الصغيرة المعلقة في سلسلة مفاتيحه.
سيحكي عن تدريب إخلاء يوم ثلاثاء.
عن رجل يحمل لوحة كتابة.
عن فصل من العيون اللامعة.
سيحكي كيف فضل النظام الأوراق على الحدس والمظاهر على الإنذار.
سيحكي عن عامل نظافة طرق باب غرفة الفرن وحين لم يصغ أحد كتب ما رآه بدلا من ذلك.
ستواصل المدينة حياتها.
قطارات.
ازدحام.
فضائح جديدة.
لكن بعض القصص لا تموت.
تبقى كشظايا تحت الجلد تذكر تؤلم وترفض أن تلتئم تماما.
كانت هذه واحدة منها.
وفي تلك الشظية وفي ذلك الألم وفي ذاكرة عنيدة يحملها أناس مثل صموئيل كان هناك شيء يشبه العدالة.
ليس كافيا.
لكن شيء
ما.
وأحيانا في مدينة حاولت نسيان ثمانية عشر طفلا كان ذلك الشيء هو الحاجز الأخير بين خطأ جديد وفرن آخر ينتظر في الظلام.

تم نسخ الرابط