شقيقتان توأم اختفتا بلا أثر في وضح النهار… بينما كان الجاني يعيش بينهم كأنه واحد منهم
المحتويات
ليس عملًا عشوائيًا أو لحظة اندفاع.
بدأ ويب يستمع بتركيز، محاولًا رسم صورة لهذا الشخص في ذهنه، شخص لا يعرفه، لكنه ربما كان قريبًا منهم أكثر مما يتخيل الجميع.
ذكر، على الأرجح، بين خمسة وعشرين وخمسة وأربعين عامًا، على دراية بالمنطقة، يعرف المسارات، يعرف كيف يتحرك داخل الحديقة دون أن يلفت الانتباه.
ربما يعمل في وظيفة تسمح له بالتواجد هناك دون إثارة الشكوك، أو على الأقل تعطيه مبررًا منطقيًا لوجوده في أوقات مختلفة.
إنه منظم، صبور، يعرف كيف ينتظر اللحظة المناسبة، واختياره لضحية مزدوجة يشير إلى ثقة كبيرة في قدرته على التحكم والسيطرة الكاملة.
استند ويب إلى كرسيه قليلًا، ثم سأل، هل كان يعلم أن الفتيات ستكون هناك تحديدًا، أم أنها مجرد فرصة صادفها؟
أجاب فاسكيز بهدوء، ليس بالضرورة، لكنه ربما كان يراقب المكان، ينتظر، يدرس الأنماط، فالمجموعات المدرسية يمكن التنبؤ بحركتها بسهولة.
تأتي في الربيع، تتبع نفس المسارات، نفس الجداول، نفس نقاط التوقف، كل شيء متكرر، وكل ما يحتاجه هو الصبر حتى تأتي اللحظة المناسبة.
لكن السؤال الأهم لم يكن كيف اختارهم، بل كيف أخذهم، فتاتان في الحادية عشرة لا تختفيان ببساطة دون أن يراهما أحد.
هذا يعني أنه استخدم مركبة، ربما كانت متوقفة في مكان معزول، بعيدًا عن المسارات الرئيسية، مكان يمكنه فيه التحرك دون أن يُلاحظ.
أخرج ويب خريطة الحديقة مرة أخرى، وبدأ يتفحصها بعناية، يمر بعينيه على كل طريق، كل ممر، كل نقطة يمكن أن تُستخدم دون لفت الانتباه.
كانت هناك طرق صيانة، مسارات غير رسمية، مداخل خدمات، شبكة كاملة من الطرق التي لا يلاحظها الزوار العاديون، لكنها قد تكون مفتاح كل شيء.
إذا كان الجاني يعرف هذه الطرق، فيمكنه التحرك داخل الحديقة بحرية، دون أن يراه أحد، وكأنه جزء طبيعي من المكان.
كانت مجرد نظرية، لكنها كانت أفضل من لا شيء، لأن الفراغ هو أسوأ ما يمكن أن يواجهه محقق في قضية كهذه.
غريب يتربص داخل الحديقة، فكرة مخيفة، لكنها أصبحت الاحتمال الأقوى، الاحتمال الذي لا يمكن تجاهله مهما كان غير مريح.
لهذا، ركز التحقيق في مرحلته التالية على تحديد هوية كل شخص كان داخل منتزه لوبيك الحكومي في يوم 14 مايو تحديدًا.
كل اسم، كل مركبة، كل حركة، كل تفصيلة صغيرة، أصبحت مهمة، لأن الحقيقة في مثل هذه القضايا لا تكون واضحة، بل مختبئة في التفاصيل.
وفي مكان ما، داخل تلك التفاصيل، كان هناك خطأ واحد فقط، خطأ ارتكبه الجاني، ينتظر أن يتم اكتشافه.
سجلت كاميرات المراقبة عند مدخل الحديقة دخول خمس عشرة مركبة بين الساعة الثامنة صباحًا والظهيرة، رقم لم يكن كبيرًا، لكنه كافٍ لبدء عملية تدقيق واسعة ومجهدة.
تم تعقب كل مالك مركبة على حدة، ومقابلته بشكل شخصي، والتحقق من تحركاته خلال ذلك اليوم، للتأكد من عدم وجود أي تناقض أو سلوك مثير للريبة.
تم تحديد هوية المتنزهين الذين تواجدوا على المسارات عبر إيصالات بطاقات الائتمان في محطات الوقود القريبة، مما ساعد على رسم صورة شبه كاملة للحركة داخل المنطقة.
مقابلات لا تنتهي مع موظفي الحديقة، ومعلومات من الجمهور، وكل تفصيلة صغيرة تم جمعها، على أمل أن يظهر خيط واحد فقط يقود إلى الحقيقة المختبئة.
معلمة متقاعدة تبلغ من العمر ثمانية وخمسين عامًا من تشارلستون، كانت تراقب الطيور بهدوء، ولم تلاحظ أي شيء غير طبيعي طوال فترة تواجدها داخل الحديقة.
زوجان شابان من هنتنغتون كانا في نزهة صباحية، يتذكران الطقس، المسارات، وحتى الأصوات، لكن لم يكن لديهما أي ملاحظة تشير إلى حدث استثنائي.
ثلاثة طلاب جامعيين من جامعة مارشال كانوا يعملون على مشروع في علم الأحياء، قضوا ساعات في جمع العينات، ولم يروا أو يسمعوا أي شيء خارج عن المألوف.
صياد كان متواجدًا عند الجدول منذ الفجر، أكد أنه لم يغادر موقعه تقريبًا، ولم يلاحظ مرور أي شخص غريب أو أي حركة غير عادية بالقرب منه.
تمت مقابلة الجميع بدقة، وتم التحقق من كل رواية، وكل حجة، وكل تفصيلة، وفي النهاية، بدت كل القصص متماسكة، بلا ثغرات واضحة يمكن استغلالها.
سأل ويب السؤال الذي بدأ يفرض نفسه بقوة، ماذا لو دخل أحدهم قبل الساعة الثامنة صباحًا، قبل أن يبدأ نظام الكاميرات في التسجيل؟
خلال مقابلة لاحقة، وجه سؤاله إلى الحارس باترسون مباشرة، هل يمكن أن يكون هناك شخص دخل قبل تشغيل الكاميرات دون أن يتم تسجيله؟
هز باترسون رأسه بثقة، وأوضح أن أبواب الحديقة تظل مغلقة حتى الثامنة صباحًا، وأنه هو شخصيًا يقوم بفتحها كل يوم دون استثناء.
لكن ويب لم يقتنع تمامًا، فسأل عن احتمال دخول شخص سيرًا على الأقدام من خارج حدود الحديقة، متجاوزًا البوابات الرسمية دون أن يُلاحظ.
أجاب باترسون أن ذلك ممكن من الناحية النظرية، لكنه يتطلب معرفة دقيقة بالمنطقة، فالغابة كثيفة، والتضاريس وعرة، ولا يمكن لأي شخص عادي التنقل فيها بسهولة.
طريق مسدود آخر، احتمال آخر يُغلق، ومع كل إجابة، كانت الخيارات تضيق، بينما
ظهرت النظرية الثانية، الأكثر إيلامًا، لكنها كانت ضرورية، احتمال أن يكون الجاني شخصًا تعرفه الفتيات، شخصًا قريبًا من حياتهن اليومية بشكل أو بآخر.
الإحصائيات كانت واضحة وصادمة، معظم حالات اختطاف الأطفال تُرتكب بواسطة شخص يعرفه الضحية، فرد من العائلة، أو صديق، أو شخص يملك ثقة كافية.
تم استدعاء مارك وباتريشيا تشارلز لإجراء مقابلات مطولة ومنفصلة، تم خلالها تحليل كل كلمة، وكل رد فعل، وكل تفصيلة في سلوكهما أثناء الحديث.
تم فحص أوضاعهما المالية، والتحقق من خلفياتهما، ولم يظهر أي شيء غير طبيعي، كما خضع كلاهما لاختبارات كشف الكذب طواعية ونجحا فيها.
جوردان، الأخ البالغ من العمر خمسة عشر عامًا، تم استجوابه بلطف، لكن بدقة، حيث سُئل عن يوم الاختفاء وعن أي شخص أبدى اهتمامًا غير عادي بأخواته.
أكد أنه كان في مدرسة هنتنغتون الثانوية طوال اليوم، وهو ما دعمه العشرات من الشهود، بالإضافة إلى لقطات كاميرات المراقبة داخل المدرسة.
تمت مقابلة المعلمين وزملاء الدراسة وأفراد العائلة الممتدة، العمات والأعمام والأجداد، وحتى الجيران في شارع ويلو، لكن لم يظهر أي خيط حقيقي.
خضع المعلمون الأربعة المشاركون في الرحلة لتدقيق مكثف، وكانت دانييل روبرتسون، المشرفة على المجموعة الثالثة، في حالة انهيار نفسي شبه كامل.
لم تنم إلا قليلًا منذ الحادث، وكانت تعيد في ذهنها كل لحظة، تتساءل إن كان بإمكانها منع ما حدث لو لاحظت شيئًا واحدًا في الوقت المناسب.
تم فحص سجلها بالكامل، ولم يظهر أي شيء مريب، سجل نظيف، بدون سوابق، وتوصيات ممتازة من أولياء الأمور والإدارة خلال سنوات عملها الست.
المعلمون الثلاثة الآخرون كانوا مشابهين، سجلات نظيفة، مسيرة مهنية طويلة، ولا توجد أي مؤشرات تدعو للشك أو تفتح بابًا لنظرية تورطهم.
تم التحقيق أيضًا مع أولياء الأمور المتطوعين، كارين مينديس وروبرت فلين، وكلاهما كان لديه سجل واضح وتحركات يمكن تتبعها خلال الرحلة بالكامل.
مينديس كانت مع المجموعة الأولى طوال الوقت، ولم تقترب من موقع الاختفاء، بينما كان فلين مع المجموعة الثانية في منطقة مختلفة تمامًا عن مسرح الحادث.
سائق الحافلة، جين موريسون، الذي عمل لمدة سبعة وعشرين عامًا، بقي مع الحافلة طوال الوقت، ولم يدخل المسارات، وهو ما أكده عدة شهود مستقلين.
تم التحقيق مع كل موظف في المدرسة، من المدير إلى عامل النظافة، لكن النتائج كانت واحدة، لا شيء يربط أيًا منهم بما حدث.
في أواخر يونيو، قال ويب لفاسكيز بصوت يحمل إحباطًا واضحًا، لقد نفدت قائمة المشتبه بهم، لم يتبقَ أحد يمكننا النظر إليه بجدية.
أجابت فاسكيز بهدوء، إذن نحن نفتقد شيئًا ما، هناك حلقة مفقودة، شخص ما كان لديه وصول إلى الفتيات، لكننا لم نرَ الرابط بعد.
ظهرت نظرية الهروب، رغم أنها بدت غير منطقية، لكن كان لا بد من دراستها، هل يمكن أن تكون الفتاتان قد غادرتا بإرادتهما؟
قام المحققون بتحليل حياتهما بالكامل، في المنزل، في المدرسة، مع الأصدقاء، بحثًا عن أي علامة على ضغوط أو مشاكل قد تدفعهما للهروب.
لكن كل الشهادات كانت متطابقة، فتاتان سعيدتان، متفوقتان دراسيًا، لديهما أصدقاء، ولا توجد أي مشاكل سلوكية أو مؤشرات على رغبة في الهروب.
زملاؤهما أكدوا أنهما كانتا متحمستين للرحلة، تتحدثان عنها منذ أسابيع، ولم يكن هناك أي سلوك يشير إلى تخطيط مسبق لأي شيء.
تم تفتيش غرفهما بدقة، بحثًا عن مذكرات أو رسائل، أي شيء يدل على تعاسة أو خطة، لكن لم يتم العثور على أي دليل يدعم تلك الفرضية.
لم يكن لديهما مال، ولا موارد، ولا وسيلة للبقاء، وحتى لو هربتا، فأين ستذهبان؟ وكيف ستعيشان دون أن يراهما أحد لأسابيع؟
تم رفض نظرية الهروب رسميًا، لتعود القضية إلى نقطة البداية، لغز بلا إجابة، وحقيبة وردية صغيرة كالدليل الوحيد على ما حدث.
في مختبرات كوانتيكو، خضعت الحقيبة لفحص دقيق، كل شبر منها تم تحليله، بحثًا عن أي أثر قد يكشف هوية الشخص الذي لمسها.
لكن بصمات الأصابع على السحاب كانت مشوشة للغاية، غير كافية لنظام التعرف الآلي، وربما تعود لنورا نفسها أو تلوثت أثناء التعامل معها.
عينات التربة على الحقيبة تطابقت مع تربة الحديقة، لكنها لم تكن مميزة، نفس التركيبة تقريبًا في كل مكان، مما جعل تحديد الموقع مستحيلًا.
مرة أخرى، لا شيء، لا دليل حاسم، لا خيط واضح، فقط أسئلة تتزايد، وصمت ثقيل يحيط بكل شيء.
أظهر تحليل حبوب اللقاح وجود آثار لحبوب لقاح البلوط والقيقب والزهور البرية، وهي مكونات طبيعية تمامًا في بيئة الحديقة، مما جعل النتيجة متوقعة لكنها غير مفيدة للتحقيق.
مرة أخرى، كانت النتائج تتماشى مع طبيعة المكان، لكنها لم تكن دقيقة بما يكفي لتحديد موقع معين أو تضييق نطاق البحث، لتظل مجرد معلومة إضافية بلا قيمة حقيقية.
لم يتم العثور على أي دليل بيولوجي، لا دم، لا شعر غريب، لا حمض نووي مجهول، كل ما وُجد كان
كانت الحقيبة مخبأة بعناية تحت أغصان الأشجار في مسار ويلو كريك، على بعد 1 3 ميل من آخر مكان شوهدت فيه الفتيات، إخفاء متعمد وليس صدفة.
لكن هذا الاكتشاف، رغم أهميته، لم يُجب عن السؤال الأهم، من وضع الحقيبة هناك، ولماذا اختار هذا الموقع تحديدًا دون غيره من الأماكن داخل الحديقة.
قال المحلل الجنائي لويب عبر الهاتف بصوت جاد، الشخص الذي فعل هذا كان يعرف تمامًا كيف يتجنب ترك أي دليل يمكن تتبعه أو استخدامه ضده لاحقًا.
وأضاف أن هذا لا يحدث بالصدفة، إما أن يكون الجاني محظوظًا بشكل غير عادي، أو أنه حذر بدرجة استثنائية ويعرف بالضبط ما يفعله في مثل هذه الجرائم.
لكن حدس ويب لم يتردد، لم يكن الأمر حظًا، بل كان تخطيطًا، شخص يعرف كيف يمحو آثاره، ويتحرك دون أن يترك خلفه أي شيء يقوده إليه.
بحلول أواخر يوليو، كانت القضية قد أنتجت أكثر من ثمانمائة بلاغ، كل واحد منها تم تسجيله، مراجعته، والتحقيق فيه بدقة رغم أن معظمها لم يكن مفيدًا.
ادعت امرأة من ولاية أوهايو أنها رأت فتاتين تنطبق عليهما الأوصاف في استراحة على الطريق، مما دفع المحققين للتحرك بسرعة نحو الموقع والتحقق من الأمر.
تمت مراجعة لقطات كاميرات المراقبة، لكن النتيجة كانت مخيبة، الفتاتان في الفيديو لم تكونا إيلا ونورا، مجرد تشابه عابر أعاد الأمل ثم حطمه سريعًا.
اتصل رجل من كنتاكي مدعيًا أنه رأى رؤيا تكشف مكان دفن الجثث، ورغم غرابة الادعاء، تم إرسال فرق بحث للتحقق من الموقع المحدد.
لكن النتيجة كانت كما توقع البعض، لا شيء، مجرد أرض صامتة لا تخفي أي دليل، إضافة جديدة لسلسلة الطرق المسدودة التي لا تنتهي.
اقترح متصل مجهول اسم مجرم مسجل يعيش على بعد ثلاثين ميلًا من هنتنغتون، مما دفع الشرطة لفتح ملفه والتحقيق معه بشكل شامل ومفصل.
تم التحقق من مكان وجوده يوم 14 مايو، وأثبتت سجلات العمل أنه كان في وظيفته بتشارلستون طوال اليوم، ليُغلق هذا المسار أيضًا دون نتيجة.
طريق مسدود يليه آخر، ومع كل محاولة، كانت الحقيقة تبدو أبعد، وكأنها تتراجع كلما اقتربوا منها خطوة واحدة فقط.
كان صيف عام 1999 طويلًا بشكل غير طبيعي، الأيام تمر ببطء ثقيل، وكل يوم جديد دون إجابة كان يزيد من شعور الجميع بالعجز واليأس.
مرّ عيد ميلاد إيلا ونورا الثاني عشر في الثامن من يوليو، يوم كان من المفترض أن يكون احتفالًا، لكنه تحول إلى ذكرى مؤلمة داخل منزل العائلة.
خبزت باتريشيا كعكة رغم كل شيء، أشعلت اثنتي عشرة شمعة، ثم انهارت باكية في مطبخها، بينما وقف مارك دون أن يجد كلمات تواسيها.
بقيت القضية مفتوحة رسميًا، لكن الخيوط جفت تمامًا، لا أدلة جديدة، لا شهود، لا شيء يمكن البناء عليه لإعادة تحريك التحقيق بشكل فعلي.
بحلول أغسطس، كان ويب قد أجرى مقابلات مع أكثر من مائتي شخص، وتابع مئات البلاغات، وراجع آلاف الصفحات من التقارير دون الوصول إلى نتيجة حقيقية.
من بين تلك المقابلات، كانت هناك مقابلة قصيرة مع مقاول صيانة يُدعى ترافيس وودوارد، الذي كان يعمل داخل الحديقة في يوم الاختفاء.
لاحظ ويب أن المقابلة كانت عادية تمامًا، أسئلة روتينية، إجابات هادئة، لا توتر، لا تناقض، لا شيء يثير الشك أو يدعو للقلق.
متعاون، هادئ، بلا سجل مقلق، تم التحقق من أقواله، وتم استبعاده مثل غيره من الأسماء التي مرت على التحقيق دون أن تترك أثرًا.
استغرق الأمر واحدًا وعشرين عامًا حتى يدرك ويب أن هذا الحكم كان خطأً فادحًا، خطأ سيغير كل شيء لاحقًا بطريقة لم يتخيلها أحد.
بحلول سبتمبر 1999، ومع بداية العام الدراسي الجديد، امتلأت فصول الصف السادس بطلاب جدد، كان من المفترض أن تكون إيلا ونورا بينهم.
لكن مقاعدهما ظلت فارغة، تذكير صامت بما حدث، وبأن القضية لم تُحل، رغم أنها بدأت تختفي تدريجيًا من الاهتمام العام والإعلامي.
لم تُغلق القضية رسميًا أبدًا، لكنها أصبحت باردة، توقفت الإحاطات اليومية، وتم تفكيك مركز القيادة، وعاد المحققون إلى قضايا أخرى.
تراجعت التغطية الإعلامية، لتظهر فقط في الذكريات السنوية، بينما بقيت عائلة تشارلز عالقة في نفس اللحظة، غير قادرة على المضي قدمًا.
حصلت باتريشيا على إجازة طويلة من عملها، لم تستطع التركيز، لم تستطع الاستمرار، حياتها توقفت عند لحظة اختفاء ابنتيها دون أي تحذير.
في كل مرة ترى فتاة بشعر مجعد، يتوقف قلبها، وفي كل رنة هاتف، كانت تندفع نحوه بأمل ينهار في كل مرة لا يكون فيها الخبر المنتظر.
أصيبت باكتئاب حاد، ذلك النوع الذي يجعل مجرد النهوض من السرير مهمة مستحيلة، ويجعل الحياة نفسها تبدو بلا طعم أو معنى أو اتجاه.
وصف لها الطبيب أدوية، وحاول معالج نفسي مساعدتها، لكن كيف يمكن للإنسان أن يحزن دون نهاية واضحة، دون وداع، دون يقين؟
كيف تحزن على شخص قد يكون حيًا في مكان ما؟ كيف تتقبل الفقد دون دليل؟ كيف تعيش وأنت عالق بين الأمل واليأس في نفس اللحظة؟
مارك تعامل مع الأمر بطريقة مختلفة،
كان الإرهاق الجسدي أهون عليه من الألم النفسي، كان يعتقد أنه إذا تعب كفاية، فلن يضطر إلى التفكير، ولن يضطر إلى الشعور بما يحدث داخله.
لكن في الليل، كانت كل الأفكار تعود، وهو مستلقٍ بجانب زوجته التي تبكي حتى تنام، غير قادر على الهروب من صوته الداخلي.
كان ينبغي أن أوصلهم بنفسي، كان ينبغي أن أكون معهم، كان ينبغي أن أمنع هذا اليوم من الحدوث، ألف احتمال يدور في رأسه دون توقف.
لكن كل تلك الأفكار لم تغير شيئًا، لم تعيد الفتيات، ولم تخفف الألم، فقط زادت من شعوره بالذنب والعجز الذي لا يمكن تحمله.
كاد زواجهما أن ينهار تحت هذا الضغط، فالحزن لا يجمع الناس دائمًا، بل يعزلهم، ويدفعهم لإيذاء أقرب الأشخاص إليهم دون قصد.
تشاجروا على أشياء تافهة، صمتوا لأيام، انفجروا فجأة، فكروا في الطلاق أكثر من مرة، لكنهم تمسكوا ببعضهم بطريقة بالكاد يمكن تفسيرها.
ربما لأن الانفصال كان سيعني الاعتراف بأن كل شيء انتهى، بأن الفتيات رحلن بالفعل، وهو ما لم يكونوا مستعدين لتقبله بأي شكل.
جوردان عانى بطريقته الخاصة، كان في الخامسة عشرة، يعيش حياة مراهق عادية، يفكر في الدراسة، والأصدقاء، وفريق كرة السلة.
ثم انهار كل شيء فجأة، شاهد والدته تتوقف عن الأكل والنوم، وشاهد والده يتحول إلى شخص غريب يعيش معهم دون أن يكون حاضرًا فعليًا.
وشعر بالذنب، لأنه ما زال على قيد الحياة، لأنه لم يستطع إنقاذهم، ولأنه يتذكر آخر كلمات قالها لهم قبل أن يختفوا.
تراجعت درجاته، دخل في مشاجرات متكررة، يبحث عن أي سبب لتفريغ غضبه، ليجعل الألم الخارجي يعادل ما يشعر به داخليًا.
تم إيقافه مرتين عن الدراسة، وبدأ يشرب الكحول في سن السابعة عشرة، في البداية بشكل عادي، محاولة للهروب والشعور بأنه طبيعي.
لكن الأمور خرجت عن السيطرة تدريجيًا، وبحلول تخرجه عام 2002، كان يشرب بانتظام، في عطلات نهاية الأسبوع وأحيانًا خلال أيام الدراسة.
لم يلاحظ والداه ذلك كثيرًا، لم يكن لديهم القدرة على الملاحظة، كانوا غارقين في حزنهم الخاص، كلٌ منهم يحاول النجاة بطريقته.
انتقل جوردان للعيش بمفرده في سن التاسعة عشرة، فحصل على وظيفة داخل مستودع صغير، واستأجر شقة رخيصة، محاولاً إقناع نفسه بأنه يمنح والديه مساحة شخصية.
لكنه في الحقيقة لم يعد يحتمل البقاء داخل ذلك المنزل، حيث ظلت غرفة نوم أخته كما هي، ساكنة تماماً، وكأن الزمن توقف بداخلها وتحولت إلى ضريح صامت.
في كل عام، وتحديداً في الرابع عشر من مايو، كان المجتمع المحلي يقيم وقفة احتجاجية صامتة، إحياءً لذكرى الفتاتين، ومحاولة يائسة للإبقاء على القضية حية في الأذهان.
بدأ هذا التقليد في عام 2000، بتنظيم من أولياء أمور مدرسة هنتنغتون الابتدائية، الذين رفضوا أن تتحول الحادثة إلى مجرد ذكرى منسية وسط زحام الأيام.
كانوا يتجمعون عند مدخل الحديقة مع غروب الشمس، تُضاء الشموع واحدة تلو الأخرى، وترتفع الصلوات في الظلام المتزايد، بينما يخيم الحزن على المكان بأكمله.
في السنة الأولى، حضر أكثر من ثلاثمائة شخص، اجتمعوا بدافع الصدمة والتضامن، محاولين فهم ما حدث، أو على الأقل مشاركة الألم الذي خيم على الجميع.
في السنة الثانية، انخفض العدد إلى حوالي مائتي شخص، ومع مرور الوقت بدأ الحضور يتناقص تدريجياً، كما لو أن الذاكرة الجماعية بدأت تبهت ببطء مؤلم.
وبحلول السنة الخامسة، لم يتبق سوى خمسين شخصاً، معظمهم من العائلة والأصدقاء المقربين، إضافة إلى قلة نادرة من أفراد المجتمع الذين رفضوا الاستسلام لفكرة النسيان.
ظلت الأشرطة الصفراء مربوطة على الأشجار في أنحاء منتزه لوببيك الحكومي، وقد بهت لونها بفعل الشمس والمطر، لكنها بقيت شاهداً صامتاً على ما حدث.
كانت تلك الأشرطة تهمس دون كلمات بحقيقة مرعبة، أن فتاتين اختفتا هنا في وضح النهار، وأن أحداً لم يتمكن من تفسير السبب أو كشف ما جرى.
حضرت باتريشيا ومارك كل وقفة حداد، يقفان جنباً إلى جنب وسط الحشود، يحملان شموعاً ترتجف ألسنتها مع الريح، كما لو كانت تعكس هشاشة الأمل بداخلهما.
في بعض المرات، كانت باتريشيا تحاول التحدث، لكن صوتها كان يرتجف وهي تشكر الحضور على تذكرهم، وكأن الكلمات نفسها تثقل قلبها أكثر مما تخفف عنه.
وفي أحيان أخرى، كانت تعجز تماماً عن النطق، فيكتفي مارك بصمت، بينما تنهار ويغمرها البكاء الذي لم يفارقها منذ ذلك اليوم.
حضر جوردان هذه الوقفات خلال السنوات الأولى فقط، ثم توقف تماماً عن الحضور، بعدما أصبح الألم المرتبط بها يفوق قدرته على التحمل أو المواجهة.
كان يشعر أن الأمر مؤلم أكثر من اللازم، ومفتعلاً بطريقة ما، وكأن الجميع ينوح على أشخاص ربما لا يزالون أحياء في مكان مجهول ينتظرون الإنقاذ.
تقاعد المحقق ماركوس ويب من قسم شرطة هنتنغتون في عام 2005، بعد مسيرة طويلة امتدت لثلاثين عاماً، قضاها في ملاحقة الجرائم ومحاولة تحقيق
أقيم له حفل تكريم، ووضعت لوحة تذكارية باسمه، وألقيت كلمات كثيرة تشيد بتفانيه وخدمته، بينما وقف يستقبل التهاني
متابعة القراءة